المقالات

إثراء… تحفة العمارة ومختبر المعرفة على الساحل الشرقي

على الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية، وتحديداً في مدينة الظهران، يقف شامخا كمعلم عالمي المعايير بروح وطنية استثنائية مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي، المعروف اختصاراً بـ “إثراء” كرمزٍ معماريٍّ وثقافيٍّ شاهق، يجسد رؤية المملكة الطموحة نحو بناء مستقبل قائم على المعرفة والإبداع. هذا الصرح الذي أسسته شركة أرامكو السعودية كمبادرة منها و تعود فكرته الأساسية إليها ليكون منارة ثقافية إبداعية تعبر الحدود الوطنية لتقدم نموذج عالمي جديد للمراكز الثقافية. افتتحه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في عام 2016م، وهو أكثر من تحفة معمارية حديثة. إنه مساحة حيوية تهدف إلى إذكاء الشغف بالتعلم والتواصل الحضاري، محققاً بذلك تأثيراً إيجابياً ملموساً في مسيرة التطور البشري.

يتميز مبنى “إثراء” بتصميمه المُلهم والعمارة السردية ففيه رمزية الماضي والحاضر والمستقبل. هذا التصميم الذي نال جوائز عالمية، حيث تولت مهمة تصميمه الشركة المعمارية النرويجية الشهيرة “سنوهيتا”. ويعتمد التصميم على أسلوب متدفق ومنحني يتجنب الزوايا الحادة، مُستلهماً هيكله من الأشكال الصخرية المتنوعة التي ترمز في تجمعها إلى الوحدة والصلابة. وتكمن رمزية المبنى في تجسيده لرحلة الزمن .فالأدوار الواقعة تحت مستوى سطح الأرض ترمز إلى أصالة الماضي والجذور العميقة، فيما يُمثل مستوى السطح نهضة الحاضر وانطلاقته، أما برج المعرفة الشامخ، الذي يعلو المبنى، فيقف دليلاً على المستقبل الواعد الذي تتطلع إليه المملكة. ويغطي هذا الصرح الثقافي مساحة تبلغ 80 ألف متر مربع، مقدماً تجربة فريدة تجمع بين الفن والثقافة والعلم والتكنولوجيا.

يحتضن المركز بين جنباته تسعة أقسام رئيسية فيما يسمى أركان المعرفة من المتحف إلى برج الحكمة والتي تعمل بتكامل لإثراء الزائرين، وعلى رأسها المكتبة الضخمة التي تمتد على أربعة طوابق، وتضم آلاف العناوين في الفنون والعلوم والتاريخ والأدب، وتوفر كذلك غرفاً مجهزة للدراسة والاجتماعات، لتكون مصدراً ثرياً للباحثين والقراء. أما المتحف، فيمتد على خمس صالات عرض، مقدماً تجربة فريدة تجمع بين المعارض التفاعلية ومجموعات دائمة ومؤقتة من الأعمال الفنية والحرفية التي تعكس ثراء الثقافات العالمية والسعودية.

وبجانب المتحف الرئيسي، يبرز متحف الطفل كفضاء تعليمي تفاعلي مصمم خصيصاً لتحفيز الخيال والإبداع لدى النشء، من خلال مرافق مثل “كهف القصص” و”عالمنا” ومختبرات بيئية وعلمية تشجع الأطفال على الاستكشاف المبكر للعلوم البحرية والفيزياء وغيرها. ولا تكتمل تجربة “إثراء” دون ذكر مسرح إثراء الذي يتسع لتسعمائة مقعد ويستضيف عروض الأداء العالمية والمحلية، بالإضافة إلى صالة السينما التي تقدم عروضاً تثقيفية وفنية مختارة. كما يضم المركز مختبر الأفكار المخصص للابتكار وتحفيز الإبداع والتفاعل بين المبتكرين، ومعرض الطاقة الذي يسرد حكاية الاكتشاف والموارد.

تأثير “إثراء” يتجاوز الجغرافيا فلا يكتفي “إثراء” بكونه وجهة ثقافية فحسب، بل هو منصة فاعلة تسعى لتعميق الحوارات المعرفية، حيث يُنظم برامج متقدمة مثل “تعمّق” وفعاليات متخصصة تناقش مستقبل اللغة العربية وسبل تكييفها مع التحولات التقنية والحوسبة اللغوية، مما يؤكد دوره المحوري في دعم الهوية والثقافة الوطنية. إن مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي، بجمعه بين الهندسة الإبداعية والمحتوى المعرفي الغزير، يظل تحفة فنية تتنفس علماً وإبداعاً، ومَعْلماً شامخاً يضيء مسيرة التنمية المستدامة في المملكة.

• جامعة الامام عبد الرحمن بن فيصل

أ.د. أماني خلف الغامدي

جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى