إن الأخلاق الإسلامية هي العلاقة الروحية والسلوكية التي تضمن اندماج الفرد في مجتمعه بتفاعل، فهي لا تقتصر على كونها سلوكيات مجردة، بل هي عبادة يتقرب بها الفرد المسلم إلى الله تعالى. ومن جُملة هذه الفضائل: لين الجانب، بساطة النفس، التواضع، والرحمة. وإن المتأمل في هدي النبي صلى الله عليه وسلم يجد حثاً مستمراً على التواضع كقيمة ترفع شأن الفرد المسلم في الدنيا والآخرة، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» (رواه مسلم).
وعلى النقيض من ذلك، تسبّبَ تراجع تلك القيم الأخلاقية أمام تعقيدات الحياة في الوقت الراهن إلى ظهور داء الكبر، الذي يتجلى نفسياً في تضخم الذات، حيث يعد هذا الداء السلوكي في أن يدفع المصاب به إلى توهم الأفضلية المطلقة؛ مما يورثه نظرةً دونية للآخرين، ولقد عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (رواه مسلم). ولقد ورد العديد من الآيات الكريمة بالنهي عن الكبر والتعالي على الناس منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18]. ويمكن القول هنا أن تتعدد صور الكِبْر التي قد تصيب النفس البشرية، ومن أخطرها:
الكبر على الخالق سبحانه وشريعته: بالتعالي على أوامر الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.
الكبر الاجتماعي: بالتعالي بالحسب، والنسب، والجاه، والمكانة.
الكبر المادي: بالتعالي بالشكل، أو الجمال.
وإن هذه المسلكيات لا تمثل مجرد أفعال عابرة، بل هي انعكاس لضعف في البناء القيمي والميول الاتجاهية للشخصية الإسلامية؛ وهو ما يفرض ضرورة التدخل التربوي وعليه هنا تبرز الأسرة بوصفها المحضن الأول والركيزة الأساسية للوعي ومواجهة هذه الظاهرة، وتتمثل أبرز سبل العلاج من منظور التربية الإسلامية في الآتي:
1. غرس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم و الصحابة رضوان الله عليهم في نفوس الأبناء، وتذكيرهم برحمة النبي صلى الله عليه وسلم مع اليتامى والصغار والكبار بالسن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» (رواه الترمذي)، كما تأتي الرحمة الإنسانية كأسمى تجليات الأخلاق التي تستجلب رحمات الخالق لعبادة لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (رواه البخاري).
2. جلسات حوارية أسرية تهدف إلى تقبل الذات بوسطية، بعيداً عن الهوس بالمظهر أو المكانة الاجتماعية بالتعالي به، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُورِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (رواه مسلم).
3. على الوالدين أن يغرسا في نفوس أبنائهم أن آفة الكبر، والتعالي على الآخرين ، وادعاء المثالية ؛ ما هي إلا ثمارٌ مُرّة نبتت في بيئة الحسد. فالمتكبر غالباً ما يحاول تعويض نقصه الداخلي بتضخيم ذاته أمام الآخرين. ومن هنا يأتي تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الداء التي تنقص رصيد المسلم من الحسنات، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» رواه ابن داود؛ فهي تُحبط العمل الصالح وتنافي جوهر الأخلاق الإسلامية.
4. تعويدُ الوالدين أبناءَهم على تقبّل النصيحة في الحق، ولو صدرت ممّن هم دونهم في العمر أو المكانة، وعدم احتقارهم أو ازدرائهم، اقتداءً بهدي النبي ﷺ في التواضع وقبول الحق من أيٍّ كان فمما رواه في صحيح مسلم” أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: للَّه، وَلِكِتَابِهِ، ولِرسُولِهِ، وَلأَئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ”.
فإن ما سبق ذكره ما هو إلا سطرٌ من قمطر، حيث إن تماسك المجتمعات يبدأ من صلاح الفرد ذاته بتربية إسلامية ذاتية تعزز الرحمة والتواضع ولين الجانب مع الآخرين وتكبح شعور الأنا وتضخيم الذات. هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آلة وصحبة أجمعين..
