المقالات

الخليج وإعادة التوازن

تفرض الأزمات التي شهدتها المنطقة في الفترة الأخيرة على دول الخليج إعادة التوازن، ومراجعة التحالفات، وبناء مرحلة جديدة عنوانها الاعتماد على الذات، وتعزيز التكامل، وبناء قوة استراتيجية شاملة تحمي منجزات التنمية والاستقرار. فالأزمات الكبرى لا تغيّر موازين القوى فقط، بل تغيّر طريقة التفكير السياسي، وتعيد ترتيب الأولويات، وتكشف حقيقة المواقف، وتدفع الدول إلى إعادة صياغة استراتيجياتها وفق المصالح طويلة المدى لا وفق ردود الأفعال المؤقتة.

لقد أثبتت التجربة أن التنمية الاقتصادية والعمرانية والحضارية التي حققتها دول الخليج خلال العقود الماضية جعلت هذه الدول نموذجًا تنمويًا مهمًا في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه أكدت أن التنمية تحتاج دائمًا إلى قوة تحميها، وأن الاستقرار لا يقوم على الاقتصاد فقط، بل على منظومة قوة شاملة تشمل الدفاع والاقتصاد والتقنية والأمن الغذائي والإعلام والوعي المجتمعي. وقد أثبتت الدفاعات في دول مجلس التعاون الخليجي قوة لافتة في التصدي للصواريخ ومئات الهجمات وآلاف المسيّرات، مؤكدة قدرتها العالية على حماية فضائها وسمائها ومنجزها الحضاري، في مشهد أدهش العالم وكشف في المقابل حجم الارتباك الذي أصاب الطرف الإيراني أمام كفاءة الردع الخليجي وصلابة الجاهزية الدفاعية. فالدول التي تريد الحفاظ على منجزاتها لا بد أن تبني توازنًا استراتيجيًا يقوم على تنويع مصادر القوة، لا الاعتماد على عنصر واحد فقط.

ومن أهم ما كشفت عنه الأزمات أن مجلس التعاون الخليجي يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية في تاريخه؛ فمرحلة التعاون والتنسيق لم تعد كافية في عالم يقوم على التكتلات الكبرى، بل أصبح من الضروري الانتقال إلى مرحلة التكامل الاستراتيجي، لأن التحديات التي تواجه دول الخليج لم تعد تحديات منفصلة لكل دولة، بل تحديات مشتركة تمس الأمن والاستقرار والاقتصاد والمستقبل. ومن هنا فإن إعادة التوازن لا تعني التصعيد بقدر ما تعني بناء قوة خليجية متكاملة في الدفاع والاقتصاد والصناعة والتقنية والسياسة الخارجية، بحيث يصبح الخليج كتلة سياسية واقتصادية قادرة على حماية مصالحه والتأثير في محيطه الإقليمي والدولي.

كما كشفت الأزمات الأخيرة حقيقة المواقف، وأظهرت بوضوح أن دول الخليج وقفت مع كثير من الدول والشعوب العربية في أوقات الرخاء، دعمًا وتنميةً واستثمارًا ومساندةً سياسيةً واقتصادية، لكن الشدائد أظهرت وجوهًا أخرى، وكشفت تحولات في المواقف والخطابات، وهو ما يفرض اليوم إعادة تقييم العلاقات وبناءها على أساس المصالح المتبادلة والاحترام الواضح، لا على أساس العاطفة أو الشعارات. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على الذاكرة العاطفية، بل على الصدق وقت الأزمات، وعلى وضوح الموقف حين تُختبر النوايا.

وفي هذا السياق، أصبح من الضروري أيضًا أن تعيد دول الخليج النظر في التعويل على الجامعة العربية، التي لم تستطع منذ إنشائها أن تقدم حلولًا حاسمة لكثير من أزمات العالم العربي، ولم تنجح في أن تكون مظلة فاعلة لحماية المصالح العربية أو احتواء الخلافات والصراعات المتراكمة. وهذا الواقع يفرض على دول الخليج أن تعزز منظومتها الإقليمية الخاصة، وأن تجعل من مجلس التعاون الخليجي إطارًا استراتيجيًا فاعلًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، لا مجرد إطار تنسيقي تقليدي.

إن المرحلة القادمة تتطلب رؤية خليجية جديدة تقوم على أن أمن الخليج واقتصاده ومستقبله واحد، وأن قوة أي دولة خليجية هي قوة لبقية الدول، وأن التكامل لم يعد خيارًا سياسيًا فقط، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار والاستمرار في عالم يتجه نحو التكتلات الاقتصادية والسياسية الكبرى. وإذا استطاعت دول الخليج أن تحول دروس الأزمات إلى مشروع تكامل حقيقي، فإن مجلس التعاون الخليجي يمكن أن ينتقل من مرحلة التعاون إلى مرحلة التكامل، ومن التنسيق إلى الاتحاد، ومن رد الفعل إلى صناعة التوازن، وعندها لن يكون الخليج مجرد منطقة غنية بالموارد، بل قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة في المنطقة والعالم

أ. د. عايض محمد الزهرانيI

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى