حين توفي المطرب المصري هاني شاكر رحمه الله، أطلق بعض الجهلة بالدين أحكامًا بفجوره، وحكموا عليه أحكامًا جائرة بما لم يأذن به الله، وهذا ديدنهم وعادتهم حين يموت مطرب أو ممثل أو غيرهما. ويُعد إطلاق الأحكام على الناس وتصنيفهم إلى الجنة أو النار منهجًا خارجيًا بعيدًا عن العقيدة الإسلامية الصحيحة، بل يمكن اعتباره من أشد المصائب التي ابتُلي بها المسلمون في العصر الحديث؛ إذ ساد لدى فئات من مدّعي التدين الظاهري والجهلة بالأحكام الشرعية والعقيدة الصحيحة.
هذا المنهج الفاسد يُشبه في حقيقته ما فعلته الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى حين أصدرت ما عُرف بـ«صكوك الغفران»، وهي وثائق تشبه العقود كانت تُمنح بزعم التطهير من الذنوب وإعفاء المذنبين من العقوبات بعد الاعتراف والتوبة، حتى ارتبطت لاحقًا بفساد مالي واسع ورفض شعبي كبير في أوروبا.
واليوم نرى بعض المتظاهرين بالتدين يقعون في الفعل ذاته وهم لا يشعرون؛ فيحكمون على الناس بظواهرهم، ويحددون مصائرهم، وكأنهم أوصياء على الخلق. فحالق اللحية، ومسبل الثوب، والمدخن، والمطرب، والممثل، واللاعب وغيرهم من المسلمين، يُطلق عليهم بعض هؤلاء أحكام النار! وكأنهم يساوون بين من مات موحدًا وإن كان صاحب معصية، وبين من أشرك بالله أو ادعى الألوهية وحكم الله عليه بالخلود في النار.
كيف يتجاهلون قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾،
وقوله سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾،
وغيرها من النصوص الكثيرة الدالة على سعة رحمة الله وحلمه وعنايته بعباده المسلمين؟
ومن جانب آخر، ألم يبلغ هؤلاء حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.:
«إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكُهم»
أي: أشدهم هلاكًا بفكره المنحرف؛ لأن الحكم المطلق في العباد لله رب العباد، ولا يجوز لأي إنسان ـ كائنًا من كان ـ أن يتدخل في هذا الحكم أو يدّعي أن له حق القول عن الله والجور على عباده.
إن أعظم الجهل أن يرى الإنسان نفسه أعلى الناس تدينًا وأكثرهم قربًا إلى الله، فيسوّل له الشيطان أحقيته في الحكم على الخلق، ويزين له أنه مغفور له، وأنه من أهل الفردوس الأعلى، فيستخف بالناس ويزدريهم ويحقر أعمالهم الظاهرة، وهو يجهل حقائقهم ودواخلهم التي لا يعلمها إلا الله وحده.
ومن المسلمات العقدية عند أهل التوحيد أن الحاكمية المطلقة لله وحده، وأن مصير العباد بيده سبحانه؛ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ولا شريك له في ذلك. أما التجرؤ على القطع بمصائر الناس، والتدخل فيما استأثر الله بعلمه وحكمه، فهو من أعظم أبواب الضلال والانحراف.
إن المتأمل في تلك الأحكام التي يطلقها الجاهلون بسعة رحمة الله يكتشف أنها جُرم عظيم في حق الله؛ فما إن يموت مطرب أو ممثل أو غيرهما حتى يتصدى أولئك لإطلاق «صكوك الهلاك»، والحكم بفجور الناس وفسقهم، ونسف إيمانهم وأعمالهم، والقطع بأنهم من أهل النار ـ والعياذ بالله ـ وكأنهم اطلعوا على الغيب أو اتخذوا عند الله عهدًا.
فبدلًا من الترحم على الميت والاستغفار له وذكره بالخير، يفترون على الله الكذب بالحكم عليه بالهلاك، وقد تشتد هذه المنهجية لدى بعض المتشددين أو من يرون أنفسهم «أهل الله وخاصته»، بينما قد يكونون في حقيقتهم أسرى للغرور والتعالي، مهما تلونت أسماؤهم أو تزكياتهم.
فمن أعطاهم صلاحية الحكم على عصاة الموحدين؟ وكيف يتجاوزون النصوص الواضحة التي تؤكد أن أمر العباد إلى الله وحده؟ وهل يعود هؤلاء إلى جادة الحق، فيدركون أن الرحمة والحكم والمغفرة ليست بأيدي البشر، وإنما بيد الله وحده؟
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾





