على الرغم من أن مكة المكرمة ــ شرفها الله تعالى ــ تقع في وادٍ غير ذي زرع كما كانت عبر العصور والتاريخ، إلا أن الناس تأتيها من كل فج عميق، استجابةً لدعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: «فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم».
وقد تجلت المعجزة الربانية حين وجدت السيدة هاجر الماء لرضيعها إسماعيل عليهما السلام في هذا الوادي القاحل، كما ورد في قصص الأنبياء. ثم جاء الإسلام فحفظ لمكة مكانتها، وأكد هيبتها، وعظّم شعائرها، وجعلها هدى للعالمين، قال تعالى: «إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين». كما أوجب سبحانه وتعالى الحج إليها، الركن الخامس من أركان الإسلام، دون سواها، فقال: «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا».
وتكشف جغرافية مكة المكرمة عن طبيعتها الجبلية، فهي تقع بين جبال متعددة الشعاب، وهو ما يعكسه القول الشهير: «أهل مكة أدرى بشعابها»، دلالة على كثرة جبالها وتعرجاتها.
ومن أشهر جبالها التي احتضنت بدايات الرسالة الإسلامية: جبل أبي قبيس، المطل على المسجد الحرام، حيث لا يحتار المرء في تحديد القبلة، فأينما اتجه وجدها أمامه. ومن على قمته صدع النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته لأول مرة.
كما يبرز جبل النور، الذي يضم غار حراء في قمته، ذلك المكان الذي شهد بداية نزول الوحي، حين نزلت أولى الآيات: «اقرأ باسم ربك الذي خلق». وقد ارتبط اسمه بظهور نور الإسلام، إذ كان موضع تأمل وتهيؤ النبي صلى الله عليه وسلم لاستقبال الرسالة.
أما جبل ثور وغاره، فيمثلان امتدادًا لتلك البداية المباركة، إذ كان الغار مأوى للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه أثناء الهجرة، حمايةً للدعوة في لحظاتها الأولى. وقد خلّد القرآن هذه اللحظة بقوله تعالى: «إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا».
وهكذا، كانت مكة المكرمة، رغم طبيعتها القاسية، مهدًا لانطلاقة أعظم رسالة عرفها التاريخ، وبدايةً لتحول حضاري غيّر وجه العالم بأسره، بعون الله وتوفيقه.




