عام

حين يتحوّل العطاء إلى فِطنة

ليست المشكلة في العطاء، بل في غياب البصيرة التي تضبطه، فالعطاء في ذاته قيمة نبيلة، لكنه حين ينفلت من ميزان الفهم يتحوّل من فضيلة تُبنى بها العلاقات إلى عبءٍ يُستنزف به الإنسان، وهنا تحديدًا تولد حكمة يتداولها الناس : “اعطِ الناس على قدّها” !!!

وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى تقليلًا من شأن الآخرين، لكنها في حقيقتها ارتقاء بطريقة التعامل معهم.

هذه الحكمة لا تقيس الناس بمكانتهم، بل بوعيهم، ولا تُجزّيء العطاء بل تُهذّبه، إنها دعوة لأن ترى الناس كما هم، لا كما تتمنى، وأن تمنحهم بقدر ما يحتملون، لا بقدر ما يفيض في داخلك.

وفي المجتمعات التي تُعلي من قيمة الكرم والتضحية، ينشأ الإنسان وهو يربط بين العطاء والأخلاق، حتى يكاد يظن أن تقليله نقص، وأن المبالغة فيه فضيلة،حتى أنك تسمع الرجل يُكرم ضيوفه ويتعذر مما قد حدث من نقص في واجب ضيافتهم !!!

لكن التجارب والخبرات تُعيد صياغة هذا الفهم؛ فليست كل يدٍ تمتد إليك تستحق أن تملأها، ولا كل قلبٍ تفتح له بابك يعرف كيف يحفظه.

وللأسف الشديد في بعض المجتمعات كلما زدت إحسانًا، زاد استهلاك الآخرين لك،وربما اعتبروه واجباً عليك !!!وهنا ربما لا تكمن المشكلة في الناس، بل في الطريقة التي قدّمت بها نفسك لهم.

وبطبيعة البشر فإن الإنسان لا يتألم من العطاء بقدر ما يتألم من التوقعات المصاحبة له خاصةً إذا خيبت تلك التوقعات الآمال ولذلك لا تنتظر المقابل حين تعطي ولو حتى كان معنويًا، وتمثل بالمثل الشعبي ( قَدِّم خير وارمي في البحر ) !!!

لذلك، فإن من أعمق معاني هذه الحكمة أنها تحرّر الإنسان من وهم الاستحقاق المتبادل، فليس كل من أخذ منك، مُلزمًا أن يُعيده إليك، وليس كل من ابتسم لك، قادرًا أن يقف معك.

عبارة “اعطِ الناس على قدّها” ليست ردّة فعل، بل مهارة، تُحسن فيها قراءة الشخصيات، وتفهم الفروق الدقيقة بين من يُقدّر ومن يستهين، بين من يُحسن الظن ومن يُسيء استغلاله.

فهناك من يكفيه القليل فيحفظه ويكبر به وهناك من تُعطيه الكثير، فلا يرى فيه إلا حقًا مكتسبًا وواجباً مستحقاً وشتان بين الإثنين .

وفي الوعي الاجتماعي الحديث، لم يعد العطاء مجرد فعل، بل أصبح جزءًا من إدارة الذات، ومعنى أن تعطي،هو أن تُقرر أين تضع طاقتك، ومع من تستثمر وقتك، ولمن تفتح مساحاتك النفسية، وذلك يتطلب شجاعة في أن تقول “يكفي” دون شعور بالذنب ، وأن تُخفف حضورك حيث لا يُقدّر، وأن تُبقي مسافة تحفظ بها كرامتك دون أن تفقد إنسانيتك.

تخيل شخصين في علاقة صداقة : الأول يُعطي بلا حساب، يتصل دائمًا، يبادر، يسامح، ويتنازل، والثاني يتلقى هذا كله كأمرٍ طبيعي، حتى أصبح لا يرى في غياب صديقه نقصًا!!! .

هنا لم يفقد الأول قيمته، لكنه قدّمها بطريقة جعلتها مألوفة بلا أثر، ولو أنه أعطى بِقَدَر لأبقى في العلاقة توازنًا يحفظ لها معناها.

و قد يظن البعض أن الفطنة تُربي في الإنسان نوعًا من الحذر الزائد أو الجفاف العاطفي، لكنها في الحقيقة تفعل العكس، فهي لا تُطفئ العاطفة، بل تُنضجها، ولا تُقلل العطاء، بل تُنقّيه من الاستنزاف.

فالعطاء الحقيقي ليس أن تُرهق نفسك لتُرضي الآخرين،بل أن تُحسن توجيه نفسك لتبقى قادرًا على الاستمرار.

والإنسان لا يُقَاس بكم أعطى؟!، بل بوعيه فيما أعطى، فكم من عطاءٍ أفسد علاقة، وكم من توازنٍ أنقذها ، أعطِ الناس على قدر وعيهم بك، لا على قدر صفاء قلبك، فالقلب إن لم تحرسه الحكمة، استنزفته النوايا الطيبة قبل الأفعال.

ختاماً : مقالي هذا ليس دعوة لتقليل الخير، بل لحمايته حتى لا يتحول من نورٍ يُهتدى به، إلى نارٍ تحرق صاحبها، والعياذ بالله من النار ودمتم في سعادة دائمة .

• كاتب رأي ومستشار أمني

عبدالله سالم المالكي

كاتب رأي - مستشار أمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى