بين الكلمتين جناسٌ يلفت السمع، لكن بين المعنيين بونٌ شاسع، فالمؤتمرات تُعقد لتقريب الرؤى، وبناء التفاهمات، وصناعة الحلول، بينما المؤامرات تُحاك في الظل، حين تتحول المصالح إلى مكائد، ويغدو الخفاء وسيلة للعبث بمصائر الناس.
وفي التاريخ كثيرًا ما اختلط المفهومان في الوعي العام؛ فليس كل مؤتمر مؤامرة، وإن كانت بعض المؤتمرات قد تُتَّهم بأنها تحمل في طياتها مشاريع مضمرة. ومن هنا ينشأ الالتباس، حين يفقد الناس الثقة، فيصبح كل اجتماع موضع ريبة، وكل تفاهم مظنة تخطيط مضاد.
المؤامرة تنمو في البيئات المضطربة، حيث يسود الغموض، ويغيب الوضوح، وتُدار الأمور من وراء الستار. أما المؤتمر فهو إعلانٌ للحوار لا إخفاءٌ للنيات، وهو اعتراف بأن المشكلات الكبرى لا تُحل إلا بالتشاور.
والمؤتمر في جوهره وعدٌ بالحوار، ومحاولةٌ لتقريب المسافات بين المتباعدين، ومسعى لأن تتحول الخلافات من صراعٍ إلى تفاهم، وفيه تتصافح المصالح، وتُوزن الكلمات، وتُصاغ المواقف كما تُصاغ العهود، ولذلك ارتبطت المؤتمرات، في الوعي الإنساني، بفكرة الاجتماع على غاية، ولو اختلفت الطرق.
أما المؤامرة فهي الوجه الآخر حين تنكسر الثقة، وحين يُستبدل الحوار بالمكر، والتفاهم بالخديعة والمؤامرة لا تُحب الأضواء ، لأن الأضواء تكشف هشاشتها، ولا تعيش إلا في بيئات الشك والريبة.
والمؤامرة لا تحتاج جيوشًا، يكفيها همسٌ في أذن، أو فكرةٌ تُزرع في لحظة ضعف، ثم تكبر حتى تلتهم يقين الناس.
لكن المفارقة أن بعض المؤتمرات حين تفقد روحها الأخلاقية قد تتحول إلى واجهات أنيقة لمؤامرات مقنّعة؛ تُرفع فيها شعارات السلام، بينما تُدار تحت الطاولة حسابات النفوذ. وهنا لا تكون المشكلة في “المؤتمر” كفكرة، بل في من يوظفه ستارًا لغير مقصده.
وكم شهد التاريخ من مؤتمرات قيل إنها لإنقاذ الشعوب، ثم كانت بوابةً لإعادة توزيع النفوذ. وكم حِيكت مؤامرات أُلبست ثوب الإصلاح، حتى حسبها الناس مشروع نجاة وهي تحمل بذور الخراب، ولهذا لا تكفي العناوين البراقة، فالعبرة ليست بما يُعلن، بل بما يُراد.
إن الفرق بين المؤامرات والمؤتمرات هو الفرق بين الظل والضوء؛ الأولى تعمل على تقويض الثقة، والثانية حين تصدق تبني جسورًا بين المختلفين، وإذا كانت المؤامرة ابنة الشك، فإن المؤتمر ابن الحوار.
ولعل أجمل ما يقال: ليست كل طاولة مفاوضات مؤامرة، كما ليست كل دعوة إلى التعاون مؤتمرًا حقيقيًا. فالمعيار دائمًا هو النية، والشفافية، وما يثمره الاجتماع من خيرٍ أو شر .
ويبقى السؤال: متى يكون المؤتمر مؤتمرًا حقًا، ومتى يصير مؤامرة متنكرة؟
الجواب بسيط وعميق في آن واحد ويتمثل في أنه حين يحضر الصدق يكون مؤتمرًا، وحين تغيب الأخلاق تبدأ المؤامرة.
• كاتب رأي ومستشار أمني






