المقالات

فن الترجمة من النقل إلى الإبداع

مما لا شك فيه أن كل لغة تحمل في طياتها نظاماً لغوياً فريداً يميزها عن غيرها؛ فبينما تميل اللغة الإنجليزية في جوهرها إلى المباشرة والوضوح واستخدام الجمل القصيرة ذات البناء الخطي، ( فاعل ، فعل ، مفعول ) ،أما اللغة العربية تزهو بمرونة فائقة وقدرة مذهلة على التقديم والتأخير، والاشتقاق، والإيجاز الذي هو عين البلاغة. إن هذه الفروقات البسيطة في الظاهر، والعميقة في الجوهر، تجعل من عملية الترجمة من العربية إلى الإنجليزية والعكس تحدياً يتجاوز حدود القواميس؛ إذ إن الوقوف على عتبات لغة أخرى والتمكن من ناصيتها حديثاً وفهماً لا يمنح صاحبه، بالضرورة، صك الاستحقاق بلقب “المترجم”. فالترجمة في حقيقتها تتجاوز مجرد النقل الحرفي من لغة إلى أخرى؛ بل هي رحلة استحضار لروح النص، واستنطاق لسياقاته التاريخية والثقافية والأسلوبية الكامنة خلف الكلمات.
ومن وجهة نظري، أرى أن الفجوة الكبرى بين “المتحدث بطلاقة” و”المترجم المتمكن” تكمن في أن الأول قد يمتلك المهارة المؤهلة ، بينما الثاني هو مهندس الصياغة والحس اللغوي ، فاللغة ليست مجموعة من المفردات الجافة، بل هي كائن حي يتنفس ثقافة أصحابه، ومن هنا تبرز إشكالية الترجمة الحرفية التي تقتل النص حين تحاول استنساخه قسراً؛ فتكون النتيجة نصاً هجيناً يفتقر إلى الروح، ويشعر القارئ معه بصعوبة في الفهم وركاكه في فن الصياغة.
وعلاوة على ذلك، تتجلى عبقرية المترجم في تطويع “الأسلوب”؛ ذلك الخيط الخفي الذي ينتظم الكلمات ويمنحها نبرتها الخاصة. فالمسألة لا تقف عند حدود نقل “المعنى”، بل تمتد لتشمل “صياغة العبارة” بأسلوب أدبي يراعي جرس الكلمات وتناغمها؛ إذ إن العبارة المترجمة قد تكون صحيحة لغوياً لكنها فاقدة للروح، بينما المترجم المبدع هو الذي يسكب المعنى في قوالب جمالية تجعل الجملة تشع بالبيان العربي. ومن المثير للاهتمام، أننا نجد أحياناً ترجمات متعددة لنفس النص، وكلها تلتزم الصحة اللغوية، ولكن من بين تلك الترجمات يبرز دائماً خيار “الأفضل” و”الأجود”؛ وهنا تحديداً تكمن مكانة المترجم الحقيقية، حيث تنعكس قدرته على انتقاء اللفظ الذي يحمل أقصى درجات التأثير وأدق ظلال المعنى.
ومن هذا المنطلق، يبرز التحدي الأكبر في بلوغ ما يُعرف بـ “التكافؤ الوظيفي” الذي يحقق ذات الأثر النفسي في المتلقي، وهو أمر يتطلب امتلاكاً تاماً لزمام اللغة. فعلى سبيل المثال، حين يواجه المترجم حكمة إنجليزية تحذر من الاستباق المفرط للأحداث، فإنه بدلاً من الركون إلى ترجمة جامدة تشِي بهويتها الأجنبية، يستحضر من كنوز التراث ما يماثلها قوة، كأن يوظف المثل السائر “لا تَبِع السمك في البحر قبل صيده”، أو يقتبس من مشكاة الحكمة ما يرسخ المعنى، حتى يغدو النص وكأنه نبت أصيل في تربة اللغة الهدف، لا يشوب انسيابه كدرُ النقل أو عناءُ التأليف.
وفي سياق متصل، لا يمكن فصل الأسلوب عن ضرورة التبحر في ثنايا الثقافة المحيطة؛ إذ أرى أن المترجم في حقيقته ليس مجرد ناقل، بل هو وسيط حضاري ودبلوماسي لغوي يدرك أن الكلمات أوعية لنصوص دينية واجتماعية وتاريخية وغيرها . وبناء عليه، فإن الجهل بهذه السياقات قد يودي بالمترجم إلى سقطات تجعل النص جافاً ومنفصلاً عن واقعه بعد الترجمة. ومن ثم، فإن القدرة على الاشتقاق وتوظيف المجاز والاستعارة هي الركيزة التي يستند إليها المبدع في فك شفرات النص الأجنبي وإعادة هيكلته بطابع يعيد للكلمة العربية هيبتها وبهاءها. إن الاستشهاد بالأمثال السائرة والحكم المأثورة في مواضعها المناسبة ليس من قبيل التزيّد، بل هو “تعريب” لروح الفكرة، مما يمحو أي أثر للاغتراب اللغوي ويخلق مودة بين القارئ وبين ما يقرأ.
وخلاصة القول ، تظل الترجمة من العربية إلى الإنجليزية هي الاختبار الأصعب في حقل الترجمة ، حيث يتطلب الأمر ترويض البلاغة العربية المسهبة وتحويلها إلى جمل إنجليزية تتسم بالمباشرة والبيان دون أن ينسلخ عنها عمقها الفكري. وبناءً على ما تقدم، أرى أن هذا الفن الرفيع لا يستقيم إلا لمن آمن بأن الترجمة هي “تأليف ثانٍ” يُكتب بمداد من روح المترجم وفهمه، ليكون الناتج قطعة فنية متكاملة يصعب على القارئ تمييزها عن النصوص التي كُتبت باللسان ذاته أصالةً؛ وبذلك تتحقق الغاية الأساسية للترجمة وليس كل من امتلك ادوات الترجمة صنف مترجماً محترفاً .

د. سامي المالكي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى