عام

جعدان… بلاغة القافري التي استعادت الحق

في قصة الشاعر معيض بن يحيى القافري مع جمله «جعدان» لا نقف أمام حكاية بدوية عابرة، ولا أمام موقف طريف من مواقف الأسواق القديمة، بل أمام فصل كامل من فصول البلاغة الفطرية التي كانت تصنع حضورها في الحياة قبل أن تُدوّن في الكتب. فالرجل لم يسترد جمله بالقوة، ولم ينتزع حقه بالخصومة، ولم يكثر من الشرح والتبرير، وإنما ساق يمينًا واحدة تحولت في لحظتها إلى وثيقة ملكية، وشهادة نسب، وبرهان معرفة، ومشهد أدبي نادر يكشف مقدار ما كان يمتلكه هذا الشاعر من فصاحة حاضرة، وذاكرة دقيقة، وقدرة عجيبة على تحويل الموقف اليومي إلى نص خالد.

كان السوق في تلك البيئة القديمة محكمة اجتماعية مفتوحة، لا تفصل بين الناس أوراق رسمية ولا سجلات موثقة، بل تفصل بينهم السمعة، والمعرفة، واليمين، والفراسة، وحضور الكلمة. وكان عُراف السوق يمثلون سلطة العرف، وحكمة الجماعة، وميزان العدالة المتاح في زمن لم تكن فيه المعاملات محكومة بما نعرفه اليوم من أنظمة مكتوبة.

وفي هذا السياق تبرز قيمة موقف القافري؛ لأنه لم يكن واقفًا أمام خصم فقط، بل أمام سوق كامل ينتظر الكلمة الفاصلة. هنا يتجلى الشاعر الحقيقي، لأنه صانع أبيات، بل  صاحب موقف، يعرف متى يتكلم، وكيف يجعل اللغة حجة لا زينة.

حين رأى القافري جمله «جعدان» في سوق بطحان بمنطقة الباحة، لم يتعامل مع المشهد كمن يرى حيوانًا ضائعًا فحسب، بل كمن يستعيد فردًا من عالمه الخاص. فالجمل لم يكن في ثقافة الجزيرة مجرد وسيلة ركوب أو حمل، بل كان ذاكرة بيت، ورمز مكانة، وعلامة عيش، ورفيق طريق، وشاهدًا على علاقة طويلة بين الإنسان والصحراء.

ومن هنا تأتي أهمية الإشارة إلى أن أسرة القافري كانت تقتني الإبل منذ قديم الزمان في بلاد زهران؛ فهذه ليست معلومة هامشية، بل مفتاح لفهم عمق اليقين الذي تكلم به. بيت يعرف الإبل، ويعاشرها، ويربيها، ويفهم طباعها، لا يلتبس عليه جمل نشأ بين يديه، ولا تضيع من ذاكرته ملامح حيوان ارتبط به في الحركة والرزق والمكان.

لقد كان «جعدان» بالنسبة إلى القافري أكثر من جمل. كان امتدادًا لبيته، وأثرًا من آثاره، وحلالًا بين الحلال كما قال في يمينه. لذلك لم يقل أمام عُرّاف السوق: هذا جملي وكفى. هذه الجملة وحدها لا تكفي في مقام الاشتباه؛ لأنها دعوى تقابلها دعوى أخرى. البدوي يقول: اشتريته من حر مالي. والقافري يقول: هو جملي. ولو بقي الأمر في حدود الادعاء المباشر لما تقدم أحدهما على الآخر. غير أن القافري أدخل القضية في منطقة أخرى، منطقة لا يملكها إلا العارف. قال: «والله إنه جعدان ولد الجعده، اللي شق سلاها، ورضع لباها، وسار قبلها ووراها، إنه جملي من بين الجمال، وحلالي بين الحلال».

هذه اليمين ليست قسمًا عاديًا، بل بناء بلاغي متماسك، يبدأ من الاسم، ثم النسب، ثم لحظة الميلاد، ثم الرضاع، ثم الصحبة والحركة، ثم الملكية. كأنه يضع أمام الناس سجل حياة كاملًا في جملة واحدة. «جعدان ولد الجعدة» ليست تعريفًا بالحيوان فقط، بل تثبيت لأصله. و«اللي شق سلاها» عودة إلى لحظة الولادة، وكأن الشاعر يقول: معرفتي به ليست معرفة شكل عابر في سوق، بل معرفة بدأت من أول خروجه إلى الدنيا. و«رضع لباها» توثيق لمرحلة النشأة الأولى، مرحلة لا يعرفها إلا صاحب الرعاية أو القريب من البيت. و«سار قبلها ووراها» تصوير لحركة الفصيل مع أمه، ذلك المشهد البدوي الدقيق الذي لا يلتقطه إلا من عاش الإبل لا من رآها من بعيد.

في هذه اليمين تتقدم البلاغة بإعتبارها معرفة. ليست زخرفة لفظية ولا سجعًا للتجميل، إنما وسيلة لإثبات الحقيقة. القافري لا يرص الكلمات ليطرب الحضور، بل يبني يقينًا في عقولهم. السجع حاضر، والإيقاع واضح، والصورة متحركة، لكن كل ذلك يخدم وظيفة أعمق: تحويل اللغة إلى دليل. لذلك دهش الحضور، لا لأن العبارة جميلة فحسب، بل لأنها كانت دقيقة ومقنعة وممتلئة بتفاصيل لا يستطيع اختراعها من لا يعرف الجمل معرفة لصيقة.

وقد أحسن الكاتب إبراهيم يحيى الكناني حين أورد هذه القصة في مقاله المنشور في صحيفة مكة الإلكترونية بعنوان «أسرار عشق الإبل وعلاقتها بالفنون»، لأنها تكشف علاقة الإبل بالفن من زاوية مختلفة. فالفن هنا لا يظهر في قصيدة طويلة، ولا في عرضة فقط، بل في طريقة القسم، وفي هندسة الحجة، وفي القدرة على جعل السوق كله ينصت إلى عبارة واحدة. الإبل في هذه القصة ليست موضوعًا خارجيًا للفن، بل هي التي فجّرت الفن في الموقف. ضياع الجمل، وحنينه لصاحبه، ومد رأسه من فوق كتف الرجل الذي كان يسوقه، والتفات القافري إليه، ثم اجتماع الناس، ثم اليمين، ثم عودة الجمل إلى بيت صاحبه؛ كل ذلك يصنع مسرحًا شعبيًا كاملًا، تتداخل فيه الدهشة والحق والذاكرة والإنشاد.

واللافت أن القافري، في هذا الموقف، يظهر شاعرًا دراميًا بامتياز. لا يفكر بالجملة وحدها، بل بالمشهد كله. الجمل شخصية حاضرة، والبدوي طرف في الصراع، والسوق جمهور، والعُراف سلطة حكم، واليمين ذروة درامية، والطريق إلى القرية اختبار أخير، والبرك أمام المنزل خاتمة عملية، ثم تأتي العرضة لتغلق المشهد فرحًا واستعادة. هذه القدرة على بناء المشهد لا تأتي من شاعر عابر. إنها تكشف عقلًا يرى الحياة في صورة حركة، وحوار، وشخصيات، ونهايات. لذلك تبدو القصة كأنها فصل من رواية شفوية، أو مشهد من مسرح بدوي قديم، لا مجرد حكاية عن جمل ضائع.

ثم إن في يمين القافري مستوى عميقًا من الأنسنة. فهو لا يتعامل مع الجمل كشيء مملوك فقط، بل ككائن له اسم وأم ونشأة وسيرة. منحه نسبًا، واستعاد طفولته، ورصد حركته مع أمه، ثم أعاده إلى دائرة الحلال والبيت. هذه الأنسنة لا تلغي كونه جملًا، لكنها ترفعه من مجرد مال إلى كائن داخل الذاكرة. وهنا يسبق القافري كثيرًا من التصورات الأدبية الحديثة التي تحتفي بعلاقة الإنسان بالكائنات من حوله. لقد كان يمارس هذا الوعي بالفطرة، قبل أن تأتي المصطلحات النقدية لتسميه تشخيصًا أو أنسنة أو شعرية علاقة الإنسان بالطبيعة.

ولا يمكن فهم قوة اليمين بعيدًا عن مكانة القافري نفسه. فقد وصفه الشاعر الكبير محمد الثوابي، المعروف بابن ثامرة، بقوله: «ما صدق غيرا معيض القافري حنّه ضمين وعارف / يحكم المعنى كما ما يحكم البيطار في قنا». هذا الوصف يضيء جانبًا مهمًا من شخصية القافري؛ فهو ليس شاعر طرب فحسب، بل شاعر حكمة وحكم. يعرف المعنى، ويضبطه، ويدخل إلى عمقه كما يدخل البيطار إلى موضع الداء في الدابة. وهذه الصورة بالذات تنسجم مع موقف «جعدان»؛ لأن القافري لم يطلق يمينه من انفعال، بل من معرفة ضامنة، وفراسة عارفة، ووعي بمقام الكلمة.

ثم تأتي اللحظة الأشد جمالًا بعد اليمين، عندما خاف بعض رفقائه عليه وقالوا إن الإبل تتشابه، ورجوا ألا يكون الأمر قد أشكل عليه. هنا لم يغضب القافري، ولم يعد تكرار القسم، ولم يكتف بما صدر من حكم السوق، بل قبل أن تمتحن الحقيقة نفسها. قال لهم ما معناه: نطلقه ونسير خلفه، ولا نرشده إلى الطريق، فإن لم يذهب إلى منزلي فليس بجملي. هذه اللحظة تنقل القصة من البلاغة إلى البرهان، ومن القول إلى التجربة. لقد كان واثقًا من ذاكرة الجمل كما كان واثقًا من ذاكرته هو. وكأن العلاقة بينهما لم تكن علاقة مالك بمملوك، بل علاقة مكان بمقيم، وبيت بكائن يعرف طريق العودة.

وعندما سار الجمل حتى وصل إلى قرى أبي الحكم «بالحكم»، ثم برك في منزل صاحبه، اكتملت الدائرة. لم يعد الأمر يمينًا أقنع عُرّاف السوق فقط، بل حقيقة مشى إليها الجمل بقدميه. هنا يصبح «جعدان» شاهدًا على نفسه، ويصبح الطريق وثيقة، ويصبح البروك عند المنزل توقيعًا أخيرًا على صدق القافري. ولهذا كان طبيعيًا أن تتحول العودة إلى فرح جماعي وعرضة، وأن يقول القافري مرتجلًا:

«سلام حيّ الله القوم

/واللاش يحزى بريقه»،

فيأتي الرد

: «جينا بجعدان مخطوم

من الديار الشفيقة».

فالقصة التي بدأت بفقد تحولت إلى احتفال، والحق الذي كان موضع نزاع صار مناسبة للفرح، والشاعر الذي تكلم في السوق عاد إلى قومه صانعًا للحدث.

إن فصاحة معيض القافري في هذه القصة لا تكمن في جمال العبارة وحده، بل في قدرته على أن يجعل العبارة تؤدي وظيفة اجتماعية وقضائية وجمالية في وقت واحد. اليمين أقنعت العُراف، وأدهشت السوق، وحفظت الحق، وخلدت القصة. وهذا هو جوهر البلاغة الحقيقية: أن تقول الكلمة المناسبة في اللحظة المناسبة، وأن تكون الكلمة قادرة على حمل المعنى والدليل والوجدان معًا.

ومن زاوية أوسع، تكشف القصة مكانة بيت القافري في مجتمعه بني كنانة. فالبيت الذي يقتني الإبل منذ القديم ليس بيتًا عابرًا في هامش الحياة القروية، بل بيت له حضور اقتصادي واجتماعي ورمزي.

الإبل في ذلك الزمن معيار قدرة، وعنوان معرفة، وجسر بين القرى والأسواق والبوادي. وامتلاكها يعني اتصالًا بعالم أوسع من حدود الزراعة وحدها؛ عالم السفر، والتجارة، والمكانة، والضيافة، والرجولة الاجتماعية. لذلك حين يدافع القافري عن «جعدان» فهو لا يدافع عن مال فقط، بل عن ذاكرة بيت، وعن حق، وعن علاقة متجذرة بين الإنسان وما يملك وما يعرف.

هذه الحكاية تمنحنا صورة نادرة عن شاعر فصيح بالفطرة، بليغ بالموقف، درامي في بناء المشهد، عارف بطبائع الحياة، قادر على تحويل حادثة يومية إلى نص قابل للبقاء. ومثل هذه المواقف هي التي تصنع خلود الشعراء في الذاكرة الشعبية؛ فالشاعر لا يبقى بقصائده وحدها، بل يبقى أيضًا بمواقفه، بحكمته، بسرعة جوابه، بقدرته على حفظ كرامته وحقه دون صخب. معيض القافري في قصة «جعدان» لا يظهر كصاحب جمل استرده، بل كصاحب لغة استردت الحق قبل أن يسترده الخطام.

ولعل أعظم ما في القصة أنها تكشف أن البلاغة عند الأوائل لم تكن ترفًا ثقافيًا، بل كانت ضرورة حياة. الكلمة قد تحفظ مالًا، وترد حقًا، وتوقف خصومة، وتقنع سوقًا، وتثبت مكانة رجل. وفي زمن كانت فيه الذاكرة أقوى من الورق، كان الفصيح يملك وثيقته في لسانه، ويملك نسب الأشياء في معرفته، ويملك حقه في يقينه. هكذا فعل القافري. لم يحمل وثيقة، لكنه حمل ذاكرة. لم يقدم شاهدًا مكتوبًا، لكنه قدم وصفًا لا يقوله إلا صاحب الحق. لم يكتف بالقسم، بل جعل القسم قصيدة نثرية قصيرة، مشبعة بالسجع والإيقاع والصورة والدليل.

ومن هنا يمكن القول إن قصة «جعدان» ليست قصة جمل عاد إلى صاحبه فقط، بل قصة بلاغة عادت إلى معناها الأول: البيان الذي يكشف الحق. إنها فصل من فصول الحكمة الشعبية، ومشهد من مشاهد «فصاحة زهران» القديمة، وشهادة على أن الشاعر معيض بن يحيى القافري كان يرى أبعد من اللفظة، ويفكر بالمشهد لا بالجملة، ويعرف أن الكلمة الصادقة إذا خرجت من صاحب معرفة صارت أقوى من الخصومة، وأبقى من السوق، وأخلد من الحكاية نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى