تحتاج الكلمة قبل إطلاقها إلى قدر من الاستعداد يشبه ما تحتاجه منصة إطلاق الصاروخ؛ فكلاهما ينطلق سريعًا، وقد يصيب هدفه، غير أن الكلمة حين تنطلق لا يمكن دائمًا استعادتها. فإن وُضعت في موضعها نفعت، وإن أسيء استخدامها جرحت وربما هدمت.
كلمة الطبيب ختم؛ لذلك عليه أن يتمهل حين يخاطب المريض، وألا يصدمه أو يهوّل عليه حالته. فالمريض لا يحتاج إلى التشخيص وحده، وإنما يحتاج أيضًا إلى لغة واضحة تراعي مشاعره وتمنحه الطمأنينة.
وكلمة المعلم ختم؛ فهو لا ينقل المعرفة فقط، وإنما يشارك في تشكيل العقول وبناء الأجيال. واحترامه لوقته وطلابه يجعل كلمته أكثر أثرًا، ويحوّل الدرس من معلومات عابرة إلى قيمة تبقى.
وكلمة الأب ختم؛ تظهر قيمتها حين تُقال في وقتها وبالأسلوب المناسب. وكلمات الحب والحوار التي يمنحها لزوجته وأبنائه ليست عبارات عابرة، وإنما هي أساس للأمان داخل الأسرة.
وكلمة الكاتب ختم؛ فما يكتبه قد يبقى بعده طويلًا. لذلك لا تكفي بلاغة العبارة ما لم تحمل معنى نافعًا، ولا قيمة لقلم يثير الخصومة أكثر مما يثري الفكرة. والكاتب الحقيقي يترك أثرًا من غير صخب، ويضيء الطريق من غير أن يحرق المختلفين معه.
وكلمة البائع ختم؛ فالأمانة تبدأ من أصغر سلعة قبل أكبرها. والمشتري يدخل غالبًا حسن الظن، فلا ينبغي أن يُكافأ بالغش أو المبالغة. والبائع الأمين يضع نفسه مكان المشتري، ويحرص على أن تكون كلمته مطابقة لما يقدمه.
وكلمة القارئ ختم أيضًا؛ لأن ما يقرؤه يتحول مع الوقت إلى أفكار وآراء وأحاديث. واختيار مصادر القراءة أمانة تجاه العقل، فالقراءة ليست جمعًا للكلمات، وإنما تدريب على الفهم والتمييز وبناء الحجة.
كل كلمة نقولها أو نكتبها تحمل أثر صاحبها، وكأنها ختم من غير توقيع. وقد ينسى الإنسان ما قال، لكن الآخرين قد يتذكرونه طويلًا؛ لذلك كان التأني قبل الكلام حكمة، وكان اختيار الكلمة مسؤولية.