بقلبٍ مؤمنٍ بقضاء الله وقدره، وبحزنٍ عميقٍ يعتصر النفس، أنعى صديق العمر وزميل الدراسة الأستاذ حسن بن عبدالرحمن الأسمري – رحمه الله رحمةً واسعة – الذي غادر هذه الدنيا بعد رحلةٍ حافلة بالخلق الكريم، والوفاء الصادق، والذكريات التي لا تغيب عن الوجدان.
عرفت أبا عبدالرحمن منذ أكثر من خمسين عامًا، حين جمعتنا مقاعد الدراسة في المرحلة المتوسطة بمركز الاثنين في بلّلسمر، خلال الأعوام من 1392هـ إلى 1394هـ (1972م – 1974م). كانت ظروف الحياة آنذاك مختلفة تمامًا عما هي عليه اليوم؛ طرقٌ ترابية، ومواصلات نادرة، ومسافات طويلة يقطعها الطلاب بحثًا عن العلم. وكان أبناء القرى البعيدة يستأجرون مساكن متواضعة قرب المدرسة، لنواصل رحلتنا التعليمية في ظروفٍ لا يعرفها كثير من أبناء هذا الجيل.
كان حسن – رحمه الله – يسكن في قرية الغرسة ببني قاعد، أما أنا فكنت أسكن في مركز الاثنين لقربه من المدرسة، ومن هنا بدأت صداقة تحولت مع الأيام إلى أخوّة صادقة. لم تقتصر علاقتنا على المدرسة، بل كانت تمتد إلى لقاءات متكررة في منزله بالغرسة، حيث نجوب قرى العينين وكبدا والشعف، ونقضي أجمل أيام العمر بين الأودية والجبال والطبيعة البكر. وكانت طفولة بريئة وصادقة جمعتنا مع عدد من الزملاء الأعزاء، بعضهم سبقونا إلى رحمة الله، وبقيت ذكراهم حية في القلب.

كان حسن يتميز بصفات قلّ أن تجتمع في شخصٍ واحد؛ الصدق، والوضوح، ونقاء السريرة، وخفة الروح، والابتسامة الصادقة التي تسبق حديثه وترافقه وتبقى بعده. لم أعرفه يومًا كاذبًا أو متصنعًا، بل كان مباشرًا وعفويًا وصاحب قلبٍ كبير. وكان محبًا للأدب والرسم واللغة الجميلة، وله موهبة فنية مميزة لا تزال بعض ملامحها حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم.
ومن أجمل ما أذكره عنه لوحة رسمها وهو في مقتبل العمر لفتاة صغيرة تحمل على ظهرها حزمة كبيرة من البرسيم الأخضر داخل ما نسميه في لهجة المنطقة “المحصل”. كانت لوحة مدهشة في دقتها وتفاصيلها وألوانها، احتفظت بها سنوات طويلة، ثم فقدتها، ولا أزال أشعر بالحزن على ضياعها؛ لأنها كانت قطعة فنية تعكس موهبة مبكرة وشخصية مبدعة.
بعد انتهاء المرحلة المتوسطة افترقت بنا طرق الحياة؛ ذهب حسن إلى الطائف ثم إلى جدة، بينما انتقلت أنا إلى الرياض لإكمال دراستي الثانوية. وفي ذلك الزمن لم تكن وسائل الاتصال متاحة كما هي اليوم، فكانت الرسائل البريدية هي جسر التواصل بيننا. وما زلت أذكر رسائله الجميلة التي كانت تصلني مكتوبة بلغة راقية وأسلوب أدبي مدهش، يحمل من السجع والبيان والذوق ما يفوق عمر كاتبها بكثير. كنت أقرأ رسائله أكثر من مرة، وأشعر أنني أمام قلمٍ واعد ومثقف رغم حداثة سنه.
وفي صيف عام 1399هـ التقيته في جدة حين كان يعمل هناك. وكانت بيننا مواقف إنسانية لا تُنسى، من أبرزها أنه وقف معي في وقت كنت بحاجة فيه إلى مبلغٍ مالي لإكمال شراء أول سيارة لي، فبادر دون تردد إلى مساعدتي. وبعد سنوات أعدت له المبلغ، فرفض في البداية، وكأن المعروف الذي قدمه لم يكن ينتظر مقابلاً، ثم قبله بعد إلحاحٍ مني. وكانت تلك إحدى صور وفائه ونبل معدنه رحمه الله.
استمرت العلاقة بيننا رغم انشغال الحياة وتباعد المدن. ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي تجددت الصلة بصورة أكبر، وبقيت المحبة كما هي لم تتغير. وعندما أعددت كتابي “من حوراء إلى شقراء.. محطات على درب الحياة” طلبت منه صورة وبعض المعلومات، لأن وجوده كان جزءًا أصيلًا من محطات العمر التي لا يمكن تجاوزها أو نسيانها.
وخلال الفترة الأخيرة اشتد عليه المرض، وقلّ تواصلنا، لكنه بقي حاضرًا في الدعاء والذاكرة. وقد تحدثت معه قبل وفاته بفترة ليست طويلة، وأخبرني عن حالته الصحية، فحزنت عليه كثيرًا، وأكثرت له الدعاء، سائلاً الله أن يمنّ عليه بالشفاء والعافية. لكن إرادة الله نافذة، ولكل أجل كتاب.
يا حسن، يشهد الله أنني أحببتك في الله، وأحببت فيك صدقك ووفاءك ونقاء قلبك. ويشهد الله أن خبر رحيلك كان مؤلمًا على نفسي، ولكن عزاءنا أنك تركت ذكرى طيبة وسيرة حسنة ومحبة صادقة في قلوب من عرفوك.
رحمك الله رحمة واسعة، وغفر لك، وأكرم نزلك، ووسع مدخلك، وجعل ما أصابك رفعةً في درجاتك، وجمعنا بك في جنات النعيم.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾






