المقالات

حرب الضرائر في قمة الهرم التنظيمي

ليس أصعب من الوصول إلى القمة إلا أن تجد من وصل قبلك يقف حارساً لها. فبعض القيادات لا ترى في نجاح الآخرين إضافة للمؤسسة، بل منافساً محتملاً لمكانتها. هذه المفارقة التي تتكرر في بعض بيئات العمل حاول علم النفس التنظيمي تفسيرها من خلال ما يُعرف بـ«متلازمة ملكة النحل». ظهر مفهوم متلازمة ملكة النحل (Queen Bee Syndrome) في سبعينيات القرن الماضي عندما استخدمته الباحثتان غراهام ستاينز وتوبي إلدر في دراسة تناولت سلوك المرأة في بيئات العمل التي يهيمن عليها الرجال. وقد لاحظت الدراسة أن بعض النساء اللواتي وصلن إلى مواقع قيادية لم يكنّ دائماً داعمات لنساء أخريات، بل أظهرن أحياناً مواقف متحفظة أو نقدية تجاههن. ولم يُطرح المفهوم بوصفه اتهاماً للمرأة، بل كمحاولة لفهم تأثير البيئات غير المتكافئة على السلوك القيادي .وتُعرَّف متلازمة ملكة النحل بأنها نمط سلوكي قد يظهر لدى بعض القيادات عندما يُنظر إلى نجاح الآخرين على أنه تهديد ضمني للمكانة التي تم الوصول إليها بعد سنوات من الجهد والتحديات. وهنا يصبح النجاح الشخصي شيئاً يُدافع عنه بدلاً من أن يكون جسراً يعبر من خلاله الآخرون نحو النجاح.

ولعل الصورة الأقرب لهذه الظاهرة أن موظفة شابة تقدمت بمبادرة تطويرية لجهة عملها، فحظيت الفكرة بإعجاب زملائها، إلا أن مديرتها طلبت مزيداً من الدراسات والمراجعات والتأجيلات المتكررة. وبعد أشهر طُرحت الفكرة ذاتها عبر لجنة أخرى أو مسؤول آخر، فحصلت على الموافقة والإشادة. قد لا يكون الرفض معلناً في مثل هذه الحالات، لكن الرسالة التي تصل إلى أصحاب المبادرات واضحة: ليس كل نجاح مرحباً به إذا اقترب كثيراً من دائرة النفوذ القائمة. وما يميز هذه النظرية أنها لا تفسر السلوك باعتباره خللاً فردياً بحتاً، بل تربطه بالسياق التنظيمي المحيط. فالقيادية التي اضطرت إلى بذل جهد مضاعف لإثبات ذاتها في بيئة محدودة الفرص قد ترى – بوعي أو دون وعي – أن الطريق ينبغي أن يكون شاقاً على الجميع، تماماً كما كان عليها. وكأن المعاناة السابقة تتحول إلى معيار غير معلن يجب على الآخرين اجتيازه أيضاً.

وفي الواقع العملي، لا تظهر هذه المتلازمة غالباً في صورة صدام مباشر أو منع صريح، بل تتجلى في ممارسات هادئة يصعب رصدها أو الاعتراض عليها. فقد يكون ذلك من خلال التأجيل المستمر، أو التقييمات المتحفظة، أو النصائح المهنية التي تتكرر إلى الحد الذي تتحول معه إلى عائق غير معلن. وتتردد عبارات مألوفة في مثل هذه المواقف مثل: «ما زالت الخبرة غير كافية»، أو «الخبراء يرون غير ذلك»، أو «الوقت غير مناسب»، أو حتى العبارة الشهيرة: «سوف يزعل سعادته!». وعندما يُسأل: كم من الخبرة يكفي؟ ومتى يصبح الوقت مناسباً؟ ومن هم هؤلاء الخبراء؟ غالباً لا تكون هناك إجابات واضحة، لأن المشكلة ليست في المعايير نفسها، بل في استخدامها كحواجز متحركة يصعب تجاوزها. والمفارقة أن بعض هذه السلوكيات قد تصدر عن قيادات تتحدث بثقة عن التمكين وبناء القيادات وصناعة الصف الثاني. تشارك في المؤتمرات والندوات، وتقدم الدراسات والاستشارات، وتتحدث عن أهمية التفويض وتطوير الكفاءات. لكن الفجوة تظهر عندما ينتقل الأمر من قاعة المحاضرات إلى مكاتب اتخاذ القرار، حيث يُفضل الاحتفاظ بالمساحة الشخصية على توسيع دائرة المشاركة، ويُقدَّم الحذر على التفويض، والاستقرار على التجديد.

ومع مرور الوقت، لا يقتصر أثر هذه الممارسات على الأفراد فحسب، بل يمتد إلى المؤسسة بأكملها. فعندما تُدار الفرص بمنطق الخوف من التزاحم لا بمنطق الاستثمار في الكفاءات، تتراجع المبادرات، ويضعف الإبداع، ويغادر أصحاب الطموح بصمت، مهما كثرت البرامج والشعارات والمبادرات المعلنة. ومن الإنصاف التأكيد أن متلازمة ملكة النحل ليست حكراً على النساء رغم اسمها. فالسلوك ذاته قد يظهر لدى أي قائد أو مسؤولة يشعر أن مكانته مهددة في بيئة لا تكافئ التعدد ولا تشجع على المشاركة. غير أن المصطلح ارتبط بالمرأة تاريخياً بسبب محدودية تمثيلها في المناصب القيادية، حيث كان المقعد الواحد يُنظر إليه أحياناً بوصفه فرصة نادرة يجب الدفاع عنها. وفي النهاية، لا تُقاس القيادة بقدرة الفرد على البقاء في القمة، بل بقدرته على صناعة من يواصلون المسيرة بعده. فالقائد الواثق لا يخشى ظهور الكفاءات من حوله، بل يراها امتداداً لنجاحه ودليلاً على أثره. أما حين تتحول المناصب إلى مناطق محمية، فإن المؤسسة لا تخسر فقط فرص التطور، بل تخسر أيضاً أفضل طاقاتها، لأن الموهبة التي لا تجد فرصة للنمو لن تتوقف عن الطموح، بل ستبحث عن مكان آخر يفتح لها الطريق.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى