بقلم – محمد عودة الجهني
لا تفقد الدولة سيادتها فحسب عندما تفقد قرار السلم والحرب، بل تخسر أيضًا هيبتها ومكانتها وقدرتها على السيطرة، فتغدو معزولةً وعاجزةً عن القيام بمهامها كدولة في ظل عدم استقلال القرار الوطني عن الوصاية الخارجية. ذلك أن الحال المذكور يُعد قاسمًا مشتركًا بين جميع الدول الفاشلة. ويُعد لبنان، الواقف على مشارف مرحلة مفصلية جديدة، أول المكتوين بنيران تجربة السيادة المنقوصة لعقود طويلة، بفعل تأثير سلاح منفلت شكّل تهديدًا لكافة مكونات الدولة، فأعاق النهضة، وأعاد “سويسرا الشرق”، كما كان يُسمى، إلى مصاف الدول المدمرة.
البيانيون الذين زجوا بالمعاك لم يكونوا يوما من الأيام أصحاب قرار في الحروب المتعاقبة، بل وجدوا أنفسهم أسري اجندات خارجية جعلت من لبنان ساحةً لتصفية حسابات ليست ذات علاقة بلبنان وأهله، وجعلت من أبنائه وقودًا لمعارك لا تخدم المصالح الوطنية حيث بلغ الحال فتح الجبهات لضمان مصالح دولة خارجية فكلما اقتضت حاجة الموكل استجاب الوكيل دون أدني اعتبار لاستقلالية الدولة لترتفع كلفة الدم والخراب فلم يتخيل المجتمع اللبناني أن يقود الولاء للخارج لمرحلة تتقدم فيها مصالح الأجنبي على مصلحة الوطن، وتتحول الولاءات العابرة للحدود إلى مرجعية تتفوق على الانتماء الوطني. ومع مرور السنوات، أصبح الأمن هاجسًا، والاستقرار حلمًا مؤجلًا، والحياة الطبيعية أمنيةً يتطلع إليها كل من ينشد مستقبلًا آمنًا. وانتهى الحال باقتصاد منهار، وشباب يحملون حقائب الهجرة، ووطن يذبل يومًا بعد آخر، لتغيب صورة لبنان، وتنفك الذاكرة عن ربط بيروت بالثقافة العربية، لتحل محلها صورة دولة منهكة تتآكل مؤسساتها، وتتراجع مكانتها. وفي المقابل، بقيت شعارات المقاومة، أو تبريرات تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض في يد دولة أجنبية، تُستخدم متى اقتضت مصالحها، ثم يُترك لبنان وحده ليواجه تبعات تلك المغامرات.
يعمل لبنان اليوم جادًا على استعادة صوته بعد سنوات من الصمت، واسترداد قراره بعد عقود من الارتهان. فمشروع الدولة لا يمكن أن ينهض قبل الانتقال إلى منطق الدولة الواحدة، بسلاح واحد وقرار واحد، بما يمنح اللبنانيين فرصة تاريخية للخروج من دائرة الهيمنة إلى فضاء السيادة الكاملة، ومن ثقافة الطوارئ الدائمة إلى ثقافة الاستقرار والتنمية. فبناء الأوطان لا يتحقق بالشعارات، بل بسيادة القانون، واحترام المؤسسات، وحصر استخدام القوة بيد الدولة وحدها. ذلك أن الدولة التي تتقاسم السلطة مع فصيل مسلح ذي ولاء خارجي ستظل عاجزة عن أداء وظائفها مهما فعلت، فيما تُبنى المجتمعات وتستقر باحتكار الدولة للقرار والسلاح دون غيرها. ولعل ما يشهده الإقليم من تحولات متسارعة يمنح لبنان فرصة نادرة لإعادة تموضعه الطبيعي داخل محيطه العربي، والانطلاق نحو مرحلة جديدة عنوانها التنمية والازدهار والشراكات الاقتصادية، عوضًا عن الحروب المختلقة لتعزيز المواقف التفاوضية لدول خارجية.
استنكار شعار “لبنان أولا” دليل قاطع على خطورة التوجه والإصرار على استهداف لبنان الذي انحاز إلى البناء، فاختار شعار الولاء الحقيقي عوضًا عن شعارات جوفاء لم تحقق سوى الخراب والدمار في مختلف أنحاء العالم العربي، وفي مقدمته لبنان، وما جرى في سوريا والعراق واليمن ليس عنا ببعيد.






