كتاب الرأي

الرحلة التي تبدأ من الداخل

دعونا نعترف…

في داخل كل واحد منا أفكار انتهى زمنها، لكنها ما زالت تمسك بخيوط قراراتنا، وتوجه اختياراتنا، وتلون نظرتنا إلى الحياة، حتى خيل إلينا أنها حقائق لا تقبل النقاش.

نحمل مخاوف ولدت في زمنٍ مضى، ثم تغير الزمن وبقيت هي كما كانت، تقف على أبواب أحلامنا حارسًا لا يسمح لنا بالعبور. ونعيش بقناعات ورثناها حتى ألفناها، ولم نتوقف يومًا لنسأل أنفسنا: هل اخترناها بإرادتنا، أم أننا اكتفينا بحملها لأنها وصلت إلينا؟

كما نحتفظ بذكريات انتهى دورها منذ سنوات، لكنها ما زالت تستنزف من أعمارنا أكثر مما تستحق … فنمنحها من وقتنا، ومن طاقتنا، ومن سلامنا الداخلي، ما كان أولى أن نهديه للحاضر والمستقبل.

 

وربما لهذا السبب نسافر…

ليس لأن المدن الجديدة أكثر جمالًا، ولا لأن الطرق البعيدة أكثر إغراء، بل لأن الابتعاد عن المألوف يمنحنا فرصة نادرة لنرى أنفسنا بعيون جديدة. فعندما يهدأ ضجيج الحياة، وتتبدل الوجوه، وتختلف التفاصيل، يصبح صوت الروح أكثر وضوحًا، وتظهر الأسئلة التي طالما أجلنا مواجهتها.

وهناك نكتشف حقيقة طالما غابت عنا…

أن أثقل ما نحمله ليس في حقائب السفر، بل في أعماقنا.

خوف طال بقاؤه، وندم رفض الرحيل، وغضب استنزف القلب، وخذلان شوه ثقتنا بالحياة… كلها أمتعة لا تمر عبر موازين المطارات، لكنها تثقل الروح، وتربك العقل، وتحجب عن أعيننا جمال الطريق.

وأجمل الرحلات ليست تلك التي تغير وجهتنا، بل تلك التي تغير رؤيتنا. ليست التي تنقلنا بين المدن، بل التي تنقلنا من الشك إلى اليقين، ومن الخوف إلى الشجاعة، ومن أسر الماضي إلى رحابة المستقبل.

فالحياة لا ترهقنا دائمًا بما يحدث لنا، بل بما نصر على حمله معنا بعد أن تنتهي الحكاية.

كم من إنسان ظل أسير فكرة تجاوزها الزمن، وهو يملك القدرة على أن يبدأ من جديد. وكم من بابٍ بقي مغلقًا، لا لأن مفتاحه مفقود، بل لأن صاحبه لم يمتلك شجاعة المحاولة.

لذلك، نحن بحاجة بين الحين والآخر إلى جلسة صادقة مع أنفسنا، نسأل فيها بلا مواربة:

ما الذي يستحق أن يبقى؟

وما الذي آن أوان وداعه؟

وأي عبء لو تركناه اليوم، لاستقبلنا الغد بقلب أخف، وعقل أصفى، وروح أكثر سلامًا؟

ولعل أعظم شجاعة لا تكمن في عبور البحار، ولا في قطع آلاف الكيلومترات، بل في القدرة على مراجعة الذات، والتخلي عما لم يعد يشبهنا، والتحرر من كل فكرة تعيق نمونا، وكل خوف يسرق أحلامنا.

فليست قيمة الرحلة بعدد المدن التي نزورها، ولا بعدد الأختام التي تزين جوازات سفرنا، بل بعدد القيود التي نكسرها، والأعباء التي نتركها خلفنا، والأفكار التي نستبدلها بحكمة أعمق، ورؤية أوسع، وسلام أصدق.

وحين نعود، قد لا يلاحظ الآخرون ما تبدل في ملامحنا، لكننا سنشعر أن شيئًا عظيمًا قد تغير في داخلنا… روح أخف، وقلب أكثر اتساعًا، ونفس تصالحت مع ذاتها، وطريق إلى المستقبل أصبح أكثر إشراقًا لأنه تحرر من أثقال الماضي.

فبعض الرحلات تنتهي عند عتبة المنزل…

أما الرحلات التي تصنع الإنسان، فتبدأ عندما نغادر النسخة القديمة من أنفسنا، ونجرؤ على استقبال الحياة بعقل متجدد، وقلب مطمئن، وروح تؤمن أن أجمل ما يمكن أن يربحه الإنسان ليس مكانًا جديدًا يصل إليه، بل إنسانًا جديدًا يكتشفه في داخله.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى