المقالات

«لا تحزن إن الله معنا» … قمة التفاؤل في أعظم رحلة غيرت التاريخ

مع كل إشراقة لعام هجري جديد، تعود بنا الذاكرة إلى واحدة من أعظم المحطات في التاريخ الإنساني؛ الهجرة النبوية المباركة، ذلك الحدث الذي لم يكن مجرد انتقالٍ من مكان إلى مكان، بل كان مدرسةً متكاملة في الإيمان والصبر والتخطيط والأمل والثقة بالله.

وعندما نستحضر مشاهد الهجرة، تتوقف القلوب طويلاً أمام ذلك الموقف الخالد في غار ثور، حين اشتدت المحنة، وضاقت السبل، وأحاط الخطر بالنبي ﷺ وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حتى أصبحت أقدام المطاردين فوق رؤوسهم. في تلك اللحظات التي كانت المقاييس البشرية كلها تشير إلى الخوف والقلق، صدحت كلمات النبوة لتصنع أعظم درس في التفاؤل عبر الزمان:

{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}.

إنها ليست مجرد كلمات مواساة، بل إعلان رباني عن حقيقة عظيمة؛ أن من كان الله معه فلن يخذله الله، ومن توكل على الله كفاه، ومن أحسن الظن بربه رأى من لطفه وعنايته ما يفوق التصور.

لقد علمتنا الهجرة أن التفاؤل ليس تجاهلاً للصعوبات، بل هو يقين بأن وراء كل عسر يسراً، وأن بعد كل ظلمة فجراً، وأن الله يدبر الأمر بحكمة ورحمة وإن خفيت الأسباب. فالنبي ﷺ أخذ بكل أسباب النجاح، وخطط للهجرة بدقة، واختار الرفيق والدليل والطريق، ثم تعلق قلبه برب العالمين قبل كل شيء.

واليوم، ونحن نستقبل عاماً هجرياً جديداً، تبدو البشرية أحوج ما تكون إلى استلهام هذا المعنى العظيم. فكم من إنسان أثقلته الهموم، وأرهقته تحديات الحياة، وأحاطت به الظروف الصعبة! وكم من أمة تواجه الأزمات والتحديات! لكن رسالة الهجرة ما زالت تتردد عبر القرون: لا تيأس، لا تستسلم، لا تفقد الأمل، فالله مع الصادقين والمتوكلين والمصلحين.

إن العام الهجري الجديد ليس مجرد رقم يضاف إلى التقويم، بل فرصة جديدة للهجرة من التقصير إلى الاجتهاد، ومن اليأس إلى الأمل، ومن التردد إلى العزم، ومن الذنوب إلى التوبة، ومن الانشغال بالدنيا إلى القرب من الله.

فلنجعل من شعار هذا العام قول الله تعالى الذي جسدته الهجرة النبوية بأروع صورها:

{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}.

فهي قمة التفاؤل، ومنتهى الطمأنينة، وأعظم رسالة تبعث الحياة في القلوب مهما اشتدت الخطوب وتعاظمت التحديات.

عام هجري جديد يحمل معه آمالاً متجددة، وأحلاماً مشرقة، وثقةً راسخة بأن القادم أجمل لمن أحسن الظن بربه، وأخلص العمل، واستمسك بحبل الأمل، وسار في دروب الحياة مستلهماً نور الهجرة وهدي النبي الكريم ﷺ.

كل عام وأنتم إلى الله أقرب، وبالأمل أكثر إشراقاً، وبالتفاؤل أوسع أفقاً، وبالنجاح والتوفيق أسعد حالاً.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى