المقالات

المتحف الكبير في القاهرة… حديث مع نقص الإجراءات الحديثة؟!

يشدني الفضول لزيارة التاريخ في كل دولة أحط رحالي فيها؛ في إيطاليا، وإنجلترا، واليونان، والصين، إلى آخر العنقود. وتظل شواهد التاريخ الأقرب إلى القلب والأكثر أهمية هي تلك الموجودة في بلادنا الحبيبة، وفي مختلف أرجاء الشرق الأوسط؛ في الحجاز، والشام، والعراق، وجنوب ووسط وشرق شبه الجزيرة العربية، وفي مصر العريقة المليئة بشواهد التاريخ القديم والوسيط والحديث، في جنوبها وشمالها.

وسبق أن زرت أسوان في رحلة نيلية إلى شمال الدلتا، ودهشت من كثرة إهمال الآثار المعروضة على جانبي النيل وبين المزارع، وبالأخص في مدينة الصعيد المسماة “إدفو”. كما زرت المتحف المصري السابق في ميدان التحرير، ثم متحف الحضارات، إلى أن افتتحت الدولة المصرية الفتية المتحف المصري الكبير في الجيزة، فما لبث فضولي الثقافي أن شدني للاستمتاع بزيارته.

قمنا بالحجز عبر الإنترنت، وكانت التذكرة تحمل رمزًا إلكترونيًا (باركود) يشمل جميع المعلومات، بما في ذلك هوية الزائر، وذلك لزيارة برفقة مرشدة سياحية. وحدث أن شعرت زوجتي بوعكة صحية في يوم الزيارة، فحاولنا إلغاء الحجز أو نقله إلى يوم آخر، لنفاجأ باستحالة ذلك، وهذا هو “المطب الأول”، الذي تعالجه معظم دول العالم ومؤسسات الخدمات المتطورة بشيء من المرونة. فلم يكن أمامنا إلا تحمل مشقة الوعكة والحضور في الموعد المحدد.

الحقيقة أن تصميم المتحف وموقعه يحظيان بكثير من التقدير والاستحسان، ثم تبخر ذلك الاستحسان عندما طلبنا عربة لكبار السن، فإذا بالمسؤول يطلب تسليم بطاقة الهوية أو جواز السفر رهنًا حتى إعادة العربة. رفضت ذلك، إذ يصعب أن أتجول أو يتجول غيري دون هوية، خاصة إذا كانت جواز سفر، وربما جوازًا دبلوماسيًا أو غيره.

طلبت إلغاء التذكرة واستعادة قيمتها، ولو منقوصة، وأشرت للمسؤول أن يفتح رمز “الباركود” في الجهاز أمامه، وسيجد جميع المعلومات المتعلقة بهويتي. وبعد جدال لا مبرر له، تفضل المسؤول ووضع هويته الشخصية رهنًا بديلًا عن هويتي، ولا أدري إن كان ذلك إجراءً نظاميًا أم مخرجًا ذكيًا.

ثم وجهنا مسؤول آخر إلى مكتب سماعات الأذن الخاصة بالاستماع إلى المرشدة السياحية، فتوجهنا إليه، لنفاجأ مجددًا بطلب الهوية رهنًا للسماعة. فسألت المسؤول: كيف يمكن ذلك لو أنني سلمت هويتي أصلًا لمكتب العربات؟ هل المطلوب أن يحضر كل زائر عدة نسخ أصلية من هويته؟ وأين استخدام التكنولوجيا؟ ولماذا لا يُكتفى بالرجوع إلى البيانات الموجودة في الجهاز عبر رمز “الباركود”؟ وانتهى الأمر بالطريقة نفسها، إذ أفاد مسؤول السماعات بأنه وضع هويته الشخصية بديلًا عن جواز سفري الذي لا يمكنني الانفصال عنه.

ثم بدأت رحلة التجول مع المرشدة السياحية، التي حُددت مدتها بساعتين وفق النظام، رغم الكم الهائل من الآثار. والحقيقة أن الساعتين، رغم أنهما مرهقتان، إلا أنهما لا تكفيان.

بدأت المرشدة، وكانت مثقفة ومتمكنة في حديثها، بالشرح الشيق والجذاب، ثم صعدت الدرج، بينما اضطررنا إلى استخدام المصعد المخصص للعربات، مع استمرار سماع شرحها عبر السماعات. كانت قد تجاوزت الطابق الأول، ثم الثاني، فالثالث، فالرابع، بينما كنا نجاهد للحاق بها عبر المصاعد واحدًا تلو الآخر، دون أن نرى أو نستمتع بما كانت تشرحه عن الآثار التي تجاوزتها. وهكذا وجدنا أنفسنا في رحلة بين المصاعد الكهربائية أكثر من كونها رحلة ثقافية، مع استمرار سماع شرح لا نرى ما يقابله من معروضات.

وعندما وصلنا إليها، أبديت اعتراضي، وأوضحت أنني أرغب في العودة لاستكمال ما فاتنا، لأنه من حقنا أن نستفيد من الزيارة كاملة مقابل ما دفعناه. فاعتذرت المرشدة، مؤكدة أنها مقيدة بوقت محدد، ولا تتحمل هي ولا موظفو مكتب العربات أو السماعات مسؤولية هذا الخلل، فهم ينفذون تعليمات موضوعة من جهات أعلى.

قررنا بعدها الانفصال عن المجموعة، والتجول بصورة عشوائية، والاكتفاء بقراءة اللوحات التعريفية المثبتة على القطع الأثرية، لكنها لم تكن كافية؛ لأن المرشدة كانت تقدم شروحًا تاريخية وثقافية ثرية، تتناول الأسباب والقصص والدوافع والمعارك، وهي معلومات شيقة ومهمة، خاصة عندما أحاول الربط بين بعضها وما ورد في القرآن الكريم.

واليوم أجدني أتساءل عن هذا القصور في استخدام التكنولوجيا داخل هيئة المتحف لتجاوز هذه الإجراءات البدائية والروتينية العقيمة، سواء في تسليم العربات أو السماعات واستعادتهما عبر نظام “الباركود”. كما أتساءل: لماذا لا يُمنح مستخدمو العربات وقتًا كافيًا للحاق بالمجموعة؟ فإما معالجة هذه المشكلة، أو إعادة النظر في آلية تقديم خدمة العربات بالكامل.

وأذكر الإخوة المسؤولين بأن السياحة ليست مجرد انتقال إلى المكان، بل هي أيضًا استحضار للزمان. ففي أسوان، مثلًا، توجد آثار تستحق أن يرحل إليها السائحون. فلماذا لا تُوزع الآثار على متاحف في عدد من المدن، بما يسهم في تنشيط الحركة السياحية وتعزيز الإيرادات المحلية، بدلًا من حصرها في متحف واحد بالقاهرة؟ إن هناك فرصًا حقيقية لتحقيق أنشطة سياحية تسهم في تنمية المدن الأخرى.

ولننظر، على سبيل المثال، إلى إسبانيا أو بريطانيا، حيث تُحافظ الآثار غالبًا على وجودها في مواقعها الأصلية، ولا تُنقل جميعها إلى مدريد أو لندن. فليكن لكل محافظة خصوصيتها، ومتاحفها، وآثارها، بما يخفف الضغط على المتحف الكبير، ويمنح الزائر فرصة للتجول بأريحية، بعيدًا عن السرعة المرهقة والإجراءات الضيقة التي قد تدفع الزائر إلى الاكتفاء بزيارة واحدة، دون رغبة في التكرار أو حتى التوصية بها للآخرين.

تلك هي قصة خيبة الأمل في المتحف الكبير، رغم ما يزخر به من ثراء ثقافي وتاريخي، فقدنا فرصة استيعابه بسبب زيارة أقرب إلى العرض المسرحي منها إلى التجربة المعرفية. ولعل الجهات المسؤولة تبادر إلى مراجعة هذه الملاحظات، حفاظًا على مكانة هذا الصرح الحضاري العظيم.

فلو بقي المتحف في موقعه السابق بميدان التحرير، لما اختلف الروتين الإداري كثيرًا عما هو عليه اليوم. فالمشكلة ليست في حجم الاستثمار، وإنما في حسن إدارته، وتنويع خدماته، وتطوير منظومته التشغيلية، والقفز على الروتين التقليدي، والاستفادة المثلى من التقنيات الحديثة التي أصبحت جزءًا أساسيًا من جودة الخدمات في المتاحف العالمية.

 

حسن الصغير

مدير التحرير - منطقة الباحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى