عام

سلمان المشلحي : المجالس… هل ما زالت مدارس؟

رسالة ومقال

قيل إن المجالس مدارس، وهي مقولة لم تأت من فراغ، بل وُلدت من تجربة اجتماعية عميقة عاشتها مجتمعاتنا ردحاً طويلاً من الزمن، حين كانت المجالس تؤدي دوراً يتجاوز حدود اللقاءات الاجتماعية، لتصبح فضاءات للتربية والتوجيه، وصناعة الوعي، ونقل الخبرات بين الأجيال.

فهل ما زالت هذه المقولة صالحة اليوم، في ظل التحولات المتسارعة التي أعادت تشكيل القيم والعلاقات وأنماط التواصل؟

يستشعر كثيرون غصّة صادقة حين يستحضرون صورة المجالس قديماً؛ تلك المجالس التي لم تكن مجرد أماكن للجلوس، بل منابر للحكمة والأدب، يتقدم فيها كبار السن بما يحملونه من تجارب ومعرفة، فيروون، وينصحون، ويقوّمون، ويزرعون القيم النبيلة في نفوس الحاضرين، وكانت المجالس فضاءات للتآلف والتراحم، تُصلح ذات البين، وترأب الصدع، وتخفف الاحتقان، وتعيد الأمور إلى نصابها بروح المسؤولية وصدق النية.

وفي تلك المجالس، كان الداخل إليها يتعلم قبل أن يتحدث، وينصت قبل أن يجادل، ويعرف قدر الكلمة وأثرها، وكان الحوار يُدار بوقار، ويحاط الاختلاف بالاحترام، لأن الجميع يدرك أن المجلس مدرسة، وأن الجلوس فيه مسؤولية قبل أن يكون عادة اجتماعية.

أما اليوم، فقد فقدت بعض المجالس شيئاً من بريقها ودورها، إلا من رحم الله، فتحولت في أحيان كثيرة إلى مساحات للجدل العقيم، أو لتداول الأخبار والشائعات دون تمحيص، وتحليلات سياسية ورياضية تغذّي التعصب وتزيد من الفرقة، وفي مجالس أخرى، حضر الصمت وغاب الحوار، إذ يجلس الناس في مكان واحد بينما ينشغل كلٌّ منهم بشاشة هاتفه وعالمه الخاص.

لقد غزت المنصات الرقمية تفاصيل حياتنا، وأثرت في طبيعة المجالس، فاستُبدلت كثير من التجارب الحية بالمقاطع المتداولة، وأصبح بعض رواد المجالس يرددون ما يصلهم عبر وسائل التواصل دون تحقق أو تمحيص، حتى أصبح بعضهم يتعامل مع كل ما يُتداول فيها على أنه حقيقة مسلَّم بها، لا تحتاج إلى نقاش أو تحقق، ولا يعني ذلك رفض هذه الوسائل، فهي أدوات نافعة إذا أُحسن استخدامها، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المجلس الذي يجمع الوجوه، ويصنع الألفة، وينقل الخبرة مباشرة بين الأجيال.

ومع ذلك، فإن الخلل ليس في المجالس ذاتها، بل في طريقة إدارتها، وفي وعي روّادها، وفي غياب بعض الأدوار التي كانت تصنع الفارق، فلا تزال هناك مجالس تحفظ قيمها ورسالتها، وتقدّم نماذج مشرقة للحوار الراقي، والتثقيف، وتعزيز الوعي المجتمعي، لتؤكد أن المدرسة لم تُغلق أبوابها بعد.

إن قيمة المجلس لا تُقاس بعدد الحاضرين، بل بما يتركه من أثر، فالمجلس الذي يزرع قيمة، وينشر معرفة، ويقرّب بين الناس، ويعزز روح الاحترام والمسؤولية، يظل مدرسة حقيقية مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت الوسائل.

ويبقى الأمل قائماً في إعادة إحياء المجالس الواعية، التي تدرك أن قيمتها ليست في الحضور فحسب، بل فيما تصنعه من وعي وأدب ومسؤولية اجتماعية، فالمجالس، حين تعود مدارس، لا تُخرّج أفراداً فحسب، بل تُسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وحكمة، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الزمن بروح الحوار والمسؤولية.

هاني قفاص

تربوي - اعلامي مكة المكرمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى