«خلف الخطوط»
تشير التطورات السياسية والعسكرية في اليمن خلال الأعوام الأخيرة إلى أن جماعة الحوثي لا تُبدي استعداداً حقيقياً للانتقال إلى مرحلة السلم، رغم الجهود المكثفة التي تقودها المملكة العربية السعودية والأمم المتحدة لإحياء مسار التسوية الشاملة. فمع كل محطة تهدئة، تميل الجماعة إلى التصعيد؛ سواء عبر استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر، أو من خلال العمليات العسكرية في الجوف ومأرب، أو عبر فرض إجراءات داخلية تعزز مناخ الطوارئ. وتكشف المعطيات الميدانية أن الهدنة، بالنسبة للحوثيين، ليست مدخلاً للحل السياسي، بل فرصة لإعادة التموضع وتعزيز السيطرة، ما يجعل السلم رهينة لبنية تنظيمية لا ترى في الاستقرار مصلحة مباشرة.
وقد تزامن هذا السلوك مع دخول الولايات المتحدة وبريطانيا على خط حماية الملاحة الدولية مطلع عام 2024، عقب سلسلة هجمات استهدفت سفناً تجارية في البحر الأحمر. ورغم أن هذه الضربات جاءت في سياق حماية التجارة العالمية، تعاملت معها الجماعة ضمن خطاب تعبوي يربط اليمن بصراعات إقليمية أوسع، ويعيد تقديمها كطرف في مواجهة دولية لا تمت بصلة إلى المصالح اليمنية. وتؤكد تقارير أممية أن الحوثيين تلقوا دعماً تقنياً ولوجستياً من إيران، أسهم في تطوير قدراتهم الصاروخية والبحرية، مما جعل البحر الأحمر ساحة توتر مستمر، رغم المساعي الإقليمية لخفض التصعيد.
داخلياً.. تكشف ممارسات الجماعة عن عجز بنيوي في إدارة السلم، حتى خلال فترات الهدوء النسبي. إذ يقوم نموذج الحكم في مناطق سيطرتها على الجبايات، واحتكار الموارد، وفرض رسوم على الأنشطة التجارية، إلى جانب إضعاف المؤسسات الحكومية. وتشير بيانات منظمات دولية إلى فرض رسوم إضافية على الشحنات الإغاثية، وتقييد عمل المنظمات الإنسانية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية. كما أوضح برنامج الغذاء العالمي أن القيود الحوثية على توزيع المساعدات كانت سبباً رئيسياً في تعليق بعض برامج الدعم في صنعاء والحديدة، وهو ما انعكس سلباً على الأمن الغذائي.
سياسياً.. لم تُظهر الجماعة استعداداً للانتقال من منطق الميليشيا إلى منطق الدولة. فالمفاوضات التي رعتها المملكة والأمم المتحدة منذ عام 2022 وحتى منتصف 2026 لم تُفضِ إلى التزام واضح بترتيبات أمنية أو سياسية مستدامة. ووفق مصادر حكومية يمنية، رفض الحوثيون صراحةً دمج قواتهم في الجيش الوطني، أو إخضاع سلاحهم لسلطة الدولة، أو القبول بآليات رقابة دولية. وحتى المبادرة الأممية في مايو 2026، التي تضمنت ترتيبات تدريجية تشمل فتح الطرق وصرف الرواتب وتوحيد الإيرادات، قوبلت من قبل الجماعة كفرصة لتحصيل مكاسب اقتصادية دون تقديم تنازلات جوهرية في ملف السلاح، ما دفع المبعوث الأممي للتحذير من هشاشة أي سلام لا يستند إلى ضمانات أمنية واضحة.
وقد استغلت الجماعة فترات الهدنة لإعادة بناء قدراتها العسكرية، وتجنيد مقاتلين جدد، وتطوير منظومات الطائرات المسيّرة، ما يجعل أي اتفاق سلام غير مصحوب بترتيبات أمنية صارمة عرضة للانهيار. وفي هذا السياق، تؤكد المملكة العربية السعودية في مواقفها الرسمية أن دعمها لمسار السلام مرتبط باستعادة الدولة اليمنية لسيادتها الكاملة، وضبط السلاح، وإنهاء ازدواجية القوة. وتشير بيانات وزارة الخارجية إلى أن المملكة قدمت مبادرات إنسانية واقتصادية وفتحت قنوات اتصال مباشرة، لكنها ترى أن أي تسوية تُبقي على ميليشيا مسلحة خارج إطار الدولة ستؤسس لدورة صراع جديدة.
هذا الموقف يتقاطع مع رؤية مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الذي أكد أن السلام دون ضمانات سيعيد إنتاج العنف، وأن استعادة الدولة تتطلب احتكار السلاح والقرار السيادي. كما تشير التصريحات الحكومية إلى أن قرار الجماعة لا يزال مرتبطاً بأجندة إقليمية، ما يجعل مسار السلم رهناً بعوامل خارجية تتجاوز الإرادة الوطنية.
اقتصادياً.. أعادت الجماعة تشكيل الاقتصاد في مناطق سيطرتها ليصبح اقتصاد حرب قائم على الجبايات واحتكار التجارة، ما أدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر. وتشير بيانات البنك الدولي إلى تدهور الخدمات الصحية والتعليمية خلال عام 2025 نتيجة تحويل الموارد نحو الأنشطة العسكرية وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة.
اجتماعياً.. فرضت الجماعة قيوداً واسعة على الحريات، وضيّقت على الناشطين والصحفيين، وقيدت عمل المنظمات المدنية. كما نفذت حملات تجنيد في المدارس والجامعات، ما يعكس اعتمادها على التعبئة المستمرة كأداة للحفاظ على نفوذها.
وفي السياق الإقليمي، بات الحوثيون جزءاً من شبكة صراعات تمتد من العراق إلى لبنان، تعمل وفق نمط واحد يقوم على توظيف السلاح كأداة نفوذ سياسي، وتحويل الدول إلى ساحات صراع بالوكالة. وتشير تقارير دولية إلى أن الدعم الإيراني أسهم في ترسيخ هذا الدور، وجعل قرار السلم مرتبطاً بحسابات إقليمية لا تخدم الداخل اليمني.
ورغم ذلك، يبقى العامل الداخلي هو الأكثر حسماً. فاستعادة الاستقرار في اليمن مرهونة بإعادة بناء الدولة، وتفكيك البنية العسكرية للميليشيا، وتوحيد القرار السياسي. فالسلم، بخلاف الحرب، يحتاج إلى شرعية ومؤسسات واقتصاد منتج, وهي مقومات لا تتوفر في الكيانات المسلحة خارج إطار الدولة.
ختاماً ..
تمتلك جماعة الحوثي القدرة على إشعال الحرب، لكنها تفتقر بنيوياً إلى القدرة على صناعة السلام، لأن السلم يُفقدها مبرر وجودها. ومن هنا، فإن أي رؤية استراتيجية لمستقبل اليمن يجب أن تنطلق من حقيقة جوهرية، وهي أن السلام مسؤولية دولة، وليس منّة ميليشيا. واستعادة احتكار السلاح وبناء مؤسسات الدولة يظل الشرط الحاسم لجعل السلام خياراً قابلاً للحياة بعد أن تصمت المدافع.






