مكة المكرمة، بيت الله الحرام، أشرف البقاع وأفضلها، وخير البلاد وأكرمها، إليها تهفو القلوب، ومنها تستمد الأرواح سكينتها، وفي رحابها تتجلى معاني العبودية والإنابة. وما تحمله قلوب المسلمين لمكة، حيثما كانوا، أمر يعجز الوصف عن الإحاطة به.
كم من دموع سالت على خدود المحرومين من زيارة مكة كلما وقعت أعينهم على الكعبة المشرفة عبر الشاشات! وكم من دموع ذرفها مودعوها وهم يغادرونها، حتى إن بعضهم يخرج ماشياً القهقرى؛ لئلا تغيب الكعبة عن ناظريه.
ولم يقتصر حب المسلمين لمكة على المشاعر، بل تحول عبر التاريخ إلى أعمال خالدة. فقد أنشأ زوارها من العلماء والتجار والوجهاء مدارس عظيمة لخدمة أبناء مكة ومجاوري المسجد الحرام، مثل المدرسة الصولتية التي أنشأها الشيخ محمد رحمة الله الهندي، والمدرسة الفخرية التي أسسها الشيخ عبد الحق قاري الهندي، ومدرسة دار الفائزين التي أسسها الشيخ عبد الخالق محمد البنغالي، ومدرسة الفلاح التي أنشأها الحاج محمد علي زينل، وغيرها من المؤسسات العلمية التي أسهمت في نهضة التعليم بمكة.
كما انتشرت الأربطة والأوقاف التي أوقفها المحسنون من مختلف أنحاء العالم على فقراء الحرم، أو على الحجاج والمعتمرين القادمين من بلدانهم، فكانت شاهداً على عمق الارتباط بهذه البقعة المباركة.
ومن مظاهر هذا التعظيم ما يحمله كثير من المسلمين من أدب بالغ مع أرض مكة؛ فمنهم من يمتنع عن البصاق فيها إجلالاً لها، بل إن بعضهم بالغ في ذلك فكان لا ينتعل نعليه تعظيماً لحرمتها.
ومن أعجب ما وقفت عليه أن حاجاً ماليزياً اكتشف بعد عودته إلى بلاده أن بعض حصى المزدلفة قد بقي في حقيبته، فاستشعر الحرج من إخراج حصى الحرم إلى الحل، فأرسل الحصى بالبريد إلى مدير بريد مكة، راجياً أن يعاد إلى موضعه. ومهما يكن الحكم الفقهي في هذه المسألة، فإن الموقف يكشف مقدار التعظيم الذي استقر في قلب ذلك الحاج.
ولا تزال الذاكرة تحتفظ بلقاء جمعني قبل سنوات بوفد من ستين قاضياً باكستانياً. وتحدثنا عن مكة ومكانة الحرم، وعن الجهود العظيمة التي تبذلها المملكة العربية السعودية في خدمة الحرمين الشريفين، فأخبروني أنهم يطلقون على إمام المسجد الحرام اسم «إمام الكعبة»، وأن الحاج أو المعتمر منهم يعد السلام عليه من أعظم ما يفاخر به عند عودته إلى بلاده. ولمست في حديثهم حباً صادقاً لمكة، وتقديراً كبيراً للمملكة، وحنيناً دائماً إلى تلك البقاع المباركة.
إنها صور مضيئة تؤكد أن محبة مكة ليست عاطفة عابرة، بل هي إيمان يسكن القلوب، ويترجم إلى احترام، وبذل، ووفاء، عبر الأجيال.
ولا عجب في ذلك، فقد قال الله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾.



