كتاب الرأي

عندما يصنع القائد التنافس بين موظفيه… من الرابح الحقيقي؟

في كثير من بيئات العمل لا ينشأ التنافس تلقائيًا، بل يُصنع أحيانًا بقرارات إدارية مقصودة. فيُقارن الموظفون ببعضهم، وتُوزع المهام بصورة غير متوازنة، ويُمنح التقدير لشخص دون آخر، فتتحول بيئة العمل من فريق يسعى لتحقيق هدف مشترك إلى أفراد يتنافسون على رضا المدير.

السؤال الذي يفرض نفسه:

من المستفيد الحقيقي من هذا التنافس؟

الإجابة ليست واحدة، لأن نوع التنافس هو الذي يحدد النتيجة.

تشير دراسة ميدانية نُشرت في مجلة Leadership Quarterly عام 2023 إلى أن المقارنة بين الموظفين قد ترفع الأداء فقط عندما يصنع القائد بيئة تعاونية يشعر فيها الجميع بأن نجاح أحدهم لا يعني خسارة الآخر. أما عندما تتحول المقارنة إلى منافسة شخصية فإنها تؤدي إلى نتائج عكسية على الأداء والثقة داخل الفريق.

في المقابل، أظهرت دراسة حديثة نُشرت في Management Science عام 2025 أن أنظمة التقييم القائمة على الترتيب الإجباري للموظفين تؤدي إلى فقدان الكفاءات؛ إذ ارتفعت احتمالية استقالة الموظفين الذين شعروا بعدم عدالة التقييم بنسبة لا تقل عن 34%، حتى بعد محاولات الإدارة احتواء الموقف.

وهنا تظهر ثلاثة دوافع تدفع بعض المديرين إلى صناعة التنافس:

1. رفع الإنتاجية بسرعة
لأن المنافسة غالبًا تزيد الإنجاز على المدى القصير.
1. تعزيز النفوذ الإداري
عندما ينشغل الموظفون بمنافسة بعضهم، يقل توحدهم في مناقشة قرارات الإدارة أو الاعتراض عليها.
1. اختبار المرشحين للترقية
بعض القادة يعتقد أن الضغط والمنافسة يكشفان صاحب القدرة الأعلى على التحمل والإنجاز.

لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن هذا الأسلوب يحمل تكلفة خفية.

فعندما يصبح الموظف يقارن نفسه بزميله يوميًا، يبدأ بإخفاء المعرفة، ويقل التعاون، ويزداد الاحتفاظ بالمعلومات، ويتراجع الإبداع لأن المخاطرة قد تؤثر في ترتيبه الوظيفي. كما أن المنافسة الشخصية تقلل الاستعداد لمساعدة الزملاء حتى لو لم تنهار الروح المعنوية بالكامل.

ولعل أشهر تجربة واقعية هي ما عُرف بسياسة Forced Ranking التي تبنتها شركات كبرى مثل GE ثم طبقتها شركات أخرى بأشكال مختلفة. كانت الفكرة تقوم على ترتيب الموظفين وإخراج الأقل أداءً دوريًا. ورغم أنها رفعت الأداء في بعض المراحل، إلا أنها تعرضت لانتقادات واسعة بسبب آثارها على العدالة، وارتفاع معدل فقدان الكفاءات، وتراجع التعاون بين الفرق، مما دفع كثيرًا من المؤسسات إلى التخلي عنها أو تعديلها جذريًا. وتشير دراسات حديثة إلى أن هذه الأنظمة قد تدفع الموظفين إلى التركيز على ترتيبهم الفردي أكثر من نجاح المؤسسة.

القائد الحقيقي لا يصنع صراعًا بين موظفيه، بل يصنع تنافسًا مع الذات، بحيث يكون معيار النجاح هو التطور المستمر وتحقيق أهداف الفريق، لا هزيمة الزميل.

فالفرق كبير بين:

* قائد يجعل الجميع يتسابقون نحو الهدف.
* وقائد يجعل الجميع يتسابقون لإرضائه.

الأول يبني مؤسسة، والثاني يبني دائرة من الصراعات.

وختاماً:

القائد الذي يربح اليوم بإشعال المنافسة بين موظفيه قد يكتشف غدًا أنه خسر أهم ما تملكه المؤسسة: الثقة. فالإنجاز يمكن شراؤه بالحوافز، أما الولاء والتعاون فلا يصنعهما إلا العدل، والاعتراف بالجهود، والقيادة التي تجعل نجاح الفرد امتدادًا لنجاح الفريق، لا خصمًا منه

د. صباح عسيري

باحثة دكتوراة في أساليب القيادة نحو أثر مستدام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى