يختزل مفهوم الانضباط الوظيفي في الحضور المبكر، والجلوس خلف المكتب طوال ساعات الدوام، والمغادرة في الوقت المحدد. وبناءً على هذا التصور، يصبح الموظف الأكثر التزامًا بسجل الحضور والانصراف هو الأفضل، حتى وإن كان إنتاجه محدودًا، بينما قد يُنظر إلى الموظف صاحب الإنجازات الملموسة على أنه أقل انضباطًا بسبب تأخر عارض، أو مهمة ميدانية، أو اجتماع خارج المكتب.
ومن هنا تبدأ معركة الانضباط الوظيفي: هل نقيس الموظف بعدد الساعات التي قضاها في مكتبه، أم بقيمة ما أنجزه خلالها؟
الحضور لا يعني بالضرورة الإنتاج
لا شك أن الالتزام بأوقات العمل مسؤولية وظيفية، وضرورة تنظيمية لا يمكن إلغاؤها، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على استمرارية الخدمة، مثل الصحة والأمن والتعليم وخدمة المستفيدين. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الحضور من وسيلة لتنظيم العمل إلى المعيار الوحيد للحكم على كفاءة الموظف.
قد يحضر موظف في تمام الساعة الثامنة، ويبقى أمام مكتبه حتى نهاية الدوام، لكنه يؤجل المهام، ولا يبادر، ولا يقدم حلولًا، ولا يحقق المستهدفات المطلوبة منه. وفي المقابل، قد يقضي موظف آخر جزءًا من يومه في اجتماع مع جهة شريكة، أو زيارة ميدانية، أو معالجة مشكلة تشغيلية، ثم يعود بنتيجة واضحة وفائدة حقيقية للمنظمة.
الأول حقق حضورًا زمنيًا، أما الثاني فحقق أثرًا مؤسسيًا.
وهنا يظهر الفرق بين مفهومين:
الانضباط المكتبي: الالتزام بالحضور، والانصراف، والوجود داخل مقر العمل.
الانضباط الإنجازي: الالتزام بالمسؤوليات، وجودة المخرجات، والمواعيد المحددة، وتحقيق المؤشرات، ومعالجة المشكلات، وصناعة أثر يمكن قياسه.
ولا ينبغي وضع المفهومين في مواجهة مطلقة، فالمنظمات تحتاج إلى كليهما، ولكن الخطأ الإداري هو أن يُمنح الحضور وزنًا أكبر من الإنجاز.
قدمت تجربة عشوائية محكمة نُشرت في مجلة Nature عام 2024 دليلًا مهمًا في هذا المجال. شملت الدراسة 1,612 موظفًا في شركة تقنية، وقارنت بين العمل المكتبي الكامل ونظام العمل الهجين. وأظهرت النتائج أن العمل من المنزل يومين أسبوعيًا لم يؤدِ إلى انخفاض تقييمات الأداء أو فرص الترقية، في حين انخفض معدل ترك الموظفين للعمل بنحو الثلث وتحسن رضاهم الوظيفي. وتوضح هذه النتيجة أن تقليل الوجود داخل المكتب لا يعني بالضرورة انخفاض الإنتاجية، ما دامت الأهداف والمسؤوليات واضحة وقابلة للقياس.
كما أظهرت دراسة منشورة عام 2024 حول ترتيبات العمل المرنة والأداء الوظيفي وجود علاقة إيجابية بين المرونة وأداء الموظفين، مع أهمية وضوح المهام وتوافر الدعم الإداري والتقني. وهذا يعني أن الرقابة الفعالة لا تقوم فقط على مراقبة مكان الموظف، بل على وضوح ما هو مطلوب منه، ومتابعة النتائج، وتقديم التغذية الراجعة المناسبة.
وتشير الأدبيات الإدارية أيضًا إلى ظاهرة تسمى الحضور غير المنتج، وهي وجود الموظف في مقر العمل جسديًا مع انخفاض قدرته الفعلية على الأداء. وقد ارتبطت هذه الظاهرة بانخفاض الإنتاجية والرضا والاندماج الوظيفي. وبذلك، فإن رؤية الموظف على مكتبه لا تقدم وحدها دليلًا كافيًا على جودة أدائه.
فعلى سبيل المثال، قد يلتزم موظف بالحضور يوميًا دون تأخير، لكنه لم ينجز خلال شهر سوى أعمال روتينية محدودة. وفي المقابل، ينجح موظف آخر في إنهاء مشروع متعثر، أو تقليل مدة إجراء، أو بناء شراكة استراتيجية، أو تحسين مؤشر أداء، أو ابتكار حل يوفر الوقت والتكلفة. فهل من العدالة أن يُصنف الأول بوصفه الأكثر انضباطًا لمجرد انتظام حضوره؟
الانضباط الإنجازي ليس فوضى
الدعوة إلى قياس الإنجاز لا تعني التساهل مع الغياب أو التأخر، ولا تعني أن يحدد كل موظف ساعات عمله دون ضوابط. الانضباط الإنجازي يقوم على الحرية المسؤولة، وليس على غياب الرقابة.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: من حضر أولًا؟
بل: من أنجز، ومن أضاف، ومن صنع أثرًا يستحق أن يُرى؟

