المقالات

بعد أن تنتهي الأضواء… أين يذهب الموهوبون؟

لا شك أن إتاحة الفرص للمنافسات العلمية والثقافية والرياضية، محليًا وعالميًا، تمثل إحدى أهم الأدوات التي تصنع التحدي، وتكشف القدرات، وترفع الكفاءات، وتدفع بالمجتمعات نحو مواقع متقدمة في سباق التنافس العالمي.

غير أن نجاح هذه المنافسات لا ينبغي أن يُقاس بعدد الجوائز والميداليات التي تُحصد، ولا بعدد المراكز التي تُعلن في حفلات التكريم؛ فالجائزة، في تقديري، ليست نهاية الطريق، وإنما بداية الطريق الحقيقي.

بداية لاكتشاف الموهبة، ثم احتضانها، ثم تطويرها، ثم استثمارها وتسخيرها لخدمة صاحبها ووطنه، وفتح الآفاق أمامها للانطلاق إلى مجالات أرحب.

وهنا يبرز سؤال أجد أنه يستحق أن يُطرح بكل صراحة:

ماذا يحدث للموهوب بعد أن تنتهي مراسم التكريم؟

أتساءل عن أولئك الطلاب الذين اختيروا من بين مئات وآلاف الطلاب في مختلف مناطق المملكة، وفق مقاييس دقيقة للكشف عن الموهوبين، ثم خاضوا منافسات علمية عالمية، وحققوا مراكز متقدمة، بعد جهود كبيرة بذلتها وزارة التعليم ومؤسسة موهبة، وبالشراكة مع الجامعات والجهات العلمية ذات العلاقة.

هؤلاء لم يكونوا طلابًا عاديين.

لقد مروا بمراحل طويلة من الاكتشاف والاختيار والتدريب والتأهيل، ثم أثبتوا في ميادين المنافسة الدولية أن لديهم قدرات علمية وإبداعية تستحق أن يُبنى عليها.

لكن السؤال الذي يشغلني:

ماذا بعد؟

بعد أن تُلتقط الصور، وتُسلَّم الجوائز، وتُرفع أسماء الفائزين في وسائل الإعلام، وتنتهي كلمات الاحتفاء والتكريم… أين يذهب هؤلاء الموهوبون؟

ما الجهات التي تتابعهم؟

ما المراكز البحثية التي تتبنى ابتكاراتهم؟

من يرافقهم في مراحلهم الجامعية؟

ومن يساعدهم على تحويل أفكارهم من نماذج أولية ومشروعات طلابية إلى منتجات علمية أو ابتكارات قابلة للتطبيق؟

وهل توجد منظومة وطنية تضمن ألا تنطفئ شعلة الموهبة بعد انتهاء المنافسة؟

ولا ينبئك مثل خبير.

أقول ذلك من تجربة شخصية مع المنافسات والجوائز، فقد كانت لي تجربة أعتز بها مع جائزة وزارة التعليم للتميز؛ وهي جائزة رفيعة ذات معايير عالية، وقد حظيت بدعم كريم من شركة أبناء محمد سعد الناغي، التي قدمت للفائزين جوائز قيمة شملت السيارات والمكافآت المالية.

وكانت المدرسة التي كنت أعمل مديرًا لها واحدة من نحو 16 ألف مدرسة تتنافس على المراكز الثلاثة الأولى.

وبفضل الله وتوفيقه، حصلت المدرسة على المركز الأول في مجال القيادة المدرسية في جائزة التميز بوزارة التعليم عام 2016م.

لم يكن ذلك الفوز وليد لحظة، بل كان امتدادًا لتجربة مهنية استمرت 28 عامًا، منها 24 عامًا قضيتها متنقلًا بين 13 موقعًا قياديًا في العمل التربوي.

وحين أُعلن الفوز، ووجدت ذلك التقدير الكريم من معالي وزير التعليم آنذاك، اتخذت قرار التقاعد المبكر، وفي ذهني تصور بسيط ومشروع في الوقت نفسه:

قلت لنفسي إن هذه الجائزة ستكون بوابة لمرحلة جديدة، وإن خبرتي المتراكمة وفوزي بالمركز الأول ربما يفتحان أمامي فرصًا قيادية في مجال التعليم الأهلي، وأن المستثمرين في التعليم الأهلي الذين يدركون أهمية القيادة المدرسية في صناعة الفارق، سيرون في هذه التجربة قيمة يمكن الاستفادة منها.

انتظرت السنة الأولى…

ثم الثانية…

ثم الثالثة…

ولم تأتِ تلك الفرص التي توقعتها.

ومع مرور الوقت، بدأت أنظر إلى الأمر من زاوية أخرى، وأقول لنفسي:

لعل الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون الختام مسكًا.

قدمت ما استطعت، وأديت ما عليّ، وحصدت ثمرة تجربة طويلة، وربما كان من الحكمة أن أضع نقطة النهاية في المكان الذي اختاره الله لي، وأستعد للدار الأخرى، فهي خير وأبقى.

لكن تجربتي تلك جعلتني أكثر اهتمامًا بمصير أولئك الشباب الذين يحصدون الجوائز في بدايات حياتهم.

أنا هنا لا أتحدث عن جائزة عابرة، ولا عن تكريم ينتهي بانتهاء الحفل.

أتحدث عن موهبة وطنية اكتُشفت مبكرًا، وأثبتت جدارتها في منافسات عالمية، وقدمت ابتكارًا أو فكرة علمية متميزة، وأظهرت قدرة استثنائية على التفكير والإبداع.

هؤلاء الشباب هم ثروة وطنية حقيقية.

وإذا كانت المنافسة قد كشفتهم، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي ألا نتركهم بعدها وحدهم.

فليس من المنطقي أن ننفق الكثير على اكتشاف الموهبة وتأهيلها للمنافسات، ثم لا نملك المسار الواضح لاستثمارها بعد الفوز.

الفوز الحقيقي ليس أن يفوز الطالب بالميدالية، وإنما أن نساعده على أن يصنع بها مستقبله ومستقبل وطنه.

ولذلك فإنني أرى أن المرحلة الأهم تبدأ بعد إعلان النتائج.

نحتاج إلى منظومة متكاملة تتابع الموهوبين الفائزين، وتربطهم بالمراكز البحثية والجامعات والشركات الوطنية، وتوفر لهم مرشدين علميين، وحاضنات ومسرعات للابتكار، ومنحًا بحثية، ومسارات جامعية ومهنية تتناسب مع قدراتهم.

نحتاج إلى أن نعرف، بعد خمس أو عشر سنوات:

أين أصبح هؤلاء الفائزون؟

كم منهم أصبح باحثًا؟

وكم منهم أسس شركة تقنية؟

وكم ابتكارًا من ابتكاراتهم وصل إلى السوق؟

وكم فكرة تحولت إلى مشروع يخدم الاقتصاد الوطني؟

وكم منهم أصبح عالمًا أو مخترعًا أو قائدًا في مجاله؟

عندها فقط نستطيع أن نقول إننا لم نكتفِ باكتشاف الموهبة، بل نجحنا في صناعة أثرها.

إن أجمل لحظة في حياة الموهوب ليست بالضرورة لحظة صعوده إلى منصة التتويج، وإنما اللحظة التي يجد فيها من يؤمن به بعد أن تنطفئ أضواء المنصة.

فالميدالية قد تنتهي صلاحيتها الرمزية بعد سنوات، أما الموهبة إذا وجدت من يحتضنها فقد تصنع إنجازًا يبقى لعقود.

ولذلك يبقى السؤال مفتوحًا:

بعد أن تنتهي الأضواء، وتُطوى منصات الاحتفال، ويعود الطلاب إلى مقاعد الدراسة… من سيظل واقفًا إلى جوارهم؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي لنجاح منظومة اكتشاف الموهبة.

وذلك، في رأيي، هو الفوز الذي يستحق ان نحتفل به

أحمد سعيد الحُريري

مدير رعاية الموهوبين سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى