كتاب الرأي

هندسة الشراكات السعودية في عالم متعدد المراكز

استغرقت زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا⁠ يومين، وفتحت مسارًا صُمم ليعمل على امتداد عقد كامل. في سيرجي-بونتواز قرب باريس، برزت مذكرة لاستكشاف تطوير وجهة ترفيهية متكاملة⁠، باستثمارات متوقعة قد تبلغ ستة مليارات يورو، وفرص عمل تصل إلى 22 ألف وظيفة. الرقم لافت، ودلالته أعمق: المملكة التي تجذب رأس المال العالمي إلى مشروعاتها أصبحت تصنع قيمة وفرصًا داخل اقتصادات شركائها. هذه الصورة تختصر فلسفة الشراكة السعودية الجديدة: علاقة تترك أثرًا داخل البلدين وتمنح كليهما مصلحة في استمرارها.

في هندسة النظم، تأتي قوة المنظومة من الروابط بين عناصرها. وقد ظهر الرابط الأول في الاجتماع الافتتاحي لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي⁠. يمنح المجلس العلاقة ذاكرة مؤسسية، فيصل القيادة السياسية بفرق العمل والجهات الحكومية والقطاع الخاص، ويمنح كل مبادرة مسؤولية واضحة وجدولًا زمنيًا وآلية متابعة.

وخلال اجتماع الطاولة المستديرة للاستثمار، أُعلن عن 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم⁠ بين جهات حكومية وخاصة في الطاقة والصناعة والخدمات المالية والنقل واللوجستيات والصحة والثقافة والسياحة والذكاء الاصطناعي. تكشف الاتفاقيات الواحدة والعشرون كيف يغذي كل قطاع الآخر: التمويل يحرك المشروعات، والصناعة تستوعب التقنية، والنقل يفتح الأسواق، والبحث يطور المعرفة. وتتحول عبر هذا التسلسل إلى خريطة عمل تجمع موارد الاقتصادين وقدراتهما.

وعندما تتحول هذه القطاعات إلى أعمال قائمة، تنشأ حولها وظائف وشركات وسلاسل توريد ومصالح يومية. هنا تنتقل الشراكة من وثائق رسمية إلى حضور داخل الاقتصاد والمجتمع. يصبح نجاحها جزءًا من حسابات الطرفين، فتعمل المصلحة الاقتصادية سندًا للتفاهم السياسي، ويكتسب التعاون عمرًا أطول من دورة الزيارة أو العقد.

ومع انتقال العلاقة من الصفقة إلى المصلحة المتبادلة، يرتفع معيارها من تلبية الاحتياج إلى بناء القدرة. في الدفاع والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتقنيات الناشئة، تتراكم القيمة عبر التدريب والتصنيع والبحث المشترك. تدخل المنشآت السعودية سلاسل الإنتاج، وتكتسب الكفاءات المعرفة، وتنشأ المنتجات من الشراكة. ويمتد البناء إلى الثقافة عبر تمديد التعاون في العلا إلى عام 2035⁠ والعمل في الآثار والتراث والمؤسسات الثقافية. التقنية تنقل المعرفة بين القطاعات، والثقافة تنقل العلاقة بين الأجيال؛ وفي المسارين تبقى قيمة الشراكة بعد اكتمال العقد.

وعندما تمتلك العلاقة مجلسًا يديرها، ومصالح تحمي استمرارها، ومعرفة تنمو عبرها، يصبح التنسيق السياسي قائمًا على قاعدة بُنيت عبر الزمن. من هذه القاعدة انتقل الحوار السعودي الفرنسي إلى قضايا المنطقة والعالم. أقام البيان المشترك⁠ رؤيته للاستقرار على سيادة الدول واحترام القانون الدولي والحلول السياسية والدبلوماسية، ودعا إلى حل تفاوضي للملف الإيراني، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، ودعم قيام الدولة الفلسطينية، وتعزيز المؤسسات اللبنانية، ومساندة المسارات السياسية في اليمن وسوريا.

قيمة هذا التنسيق تأتي من جمع ميزتين مختلفتين: ثقل الرياض في الطاقة والاقتصاد والوساطات الإقليمية، وموقع باريس الأوروبي وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن وقدراتها الدبلوماسية والعسكرية. يمنح هذا الجمع الطرفين مجالًا أوسع للتأثير، ويحوّل الشراكة الثنائية إلى منصة تعمل في قضايا تتجاوز حدود البلدين. وهنا تتسع العدسة من فرنسا إلى الطريقة التي تبني بها المملكة موقعها في العالم.

تعمل الهندسة السعودية على مستويين: قطاعات يغذي بعضها بعضًا داخل كل شراكة، وشركاء متعددون داخل السياسة الخارجية. تبني المملكة مسارات متزامنة مع الولايات المتحدة والصين والهند وأوروبا والقوى الإقليمية، وتستثمر مع كل طرف عناصر القوة المشتركة. يخفف هذا التوزيع مخاطر التركّز ويحمي استقلال القرار. وتصبح اختلافات القوى وأولوياتها مساحة إضافية للخيارات السعودية، فتعمل العلاقات مجتمعة بوصفها محفظة استراتيجية.

تعكس هذه البنية رؤية القيادة السعودية للسيادة بوصفها القدرة على امتلاك الخيارات وتحويل الموقع الجغرافي ورأس المال والطاقة والسوق والثقافة إلى أدوات متكاملة. لذلك تسير التنمية الداخلية والعلاقات الخارجية على محور واحد، وتُقاس كل شراكة بقيمتها للمواطن، والمعرفة التي تنقلها إلى الكفاءات الوطنية، والصناعة التي توطنها، والسوق التي تفتحها للمنتج السعودي، ومساحة الحركة التي تمنحها لصانع القرار.

الاتفاقيات مدخلات، وتبدأ المخرجات عند تحولها إلى مصانع ومراكز بحث وبراءات اختراع ووظائف نوعية وصادرات مشتركة وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. ويكتمل التصميم بالتغذية الراجعة التي يوفرها مجلس الشراكة: متابعة التنفيذ، وقياس التعثر، وتصحيح المسار، وتوجيه الموارد نحو المبادرات ذات الأثر الأعلى. عند هذه النقطة تنتقل الدبلوماسية من صناعة الحدث إلى صناعة النتيجة، ويتحول نجاح كل مشروع إلى لبنة جديدة في القدرة الوطنية.

في عالم تتوزع فيه القوة بين مراكز متعددة، تكتسب الدولة وزنها من قدرتها على تحويل هذا التعدد إلى مصالح ومشروعات يحتاج إليها الجميع. ومع كل مجلس يتحول إلى مشروع، وكل مشروع ينتج قدرة مشتركة، تتقدم المملكة من التفاعل مع مراكز النظام الدولي إلى الإسهام في تشكيل التوازن بينها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى