الاتحادي وليد «أبو زياد» يتساءل في رسالة بعثها لي: أما زلت مغرماً بالاتحاد بعد كل هالسنين؟
الإجابة قد تكون في كلمات محدودة، وقد تحتاج إلى توسع أكثر. أي مشجع ستكون إجابته: نعم، بل وتزيد. أما بالنسبة لي فسأنطلق في الحديث كما يدور في نفسي، لا ترتيب ولا تحفظ ولا تصنع.
الاتحاد منظومة في حياتي، مثلها مثل العائلة والعمل والأصدقاء والفرح والحزن وتصاريف الحياة بكل تفاصيلها.
تفرح عندما تُرزق بطفل، أو يُرزق ابنك بحفيد يعيد مشوار الحياة من جديد. وتتراءى لك الذكريات وكأنها احداث لم يمر عليها إلا أيام قريبات. ، وتتذكر كيف تلقيت بشرى أن رزقك الله بمولود، ثم الثاني وهكذا، وكيف عايشتهم، وكيف تشاهدهم وهم يتنقلون ما بين في يوم، وفي شهر، وفي سنة، وأنت لا تهدأ ولا ترتاح إلا عندما ترى في عيونهم كلمات لم تُنطق، لكنها تحكي سعادتهم بوجودك وأمهم على قائمة المحبين التي تخصهم، والتي تضم العائلة والأصدقاء والأقارب.
ولا يقتصر الأمر على العائلة، بل تحتدم الذكريات، وكل منها يقول: نحن هنا.
العمل والصداقات والفن والرياضة، كل يأخذ حيزه في لحظات. تتغلب الأسرة، وفي أخرى يتغلب العمل، ومن ثم الاتحاد والقصيد والمغني والمقالات.
وعنوان الجميع: لكل شيء وقته، وكل شيء في وقته حلو.
«على فكرة، هذا سيكون مطلع أغنية قادمة».
وعندما يجنّ الليل، أو «يتعفرت»، تبتدئ أنت في اختيار الصديق من الذكريات الذي ستتحاور معه أولاً، ومن ثم تعدّي على الذي بعده. وأحياناً يحتل عنصر واحد كل تفكيرك.
وطالما أن السؤال عن الاتحاد، نعم، فالاتحاد حالة غير.
قد تذهب في تفكيرك إلى أعماق التاريخ، وإلى مئة عام أو تكاد، حتى تفهمه. فهو السهل الممتنع. ترسم صورًا لم ترها، وتتخيل كيف نشأ، وكيف عركته السنين حتى تعتق، وأصبح حتى من لا يشجعه يحترم تاريخه وعنفوان مشواره.
فقد كان ملحمة كروية.
الرياضة ليست فقط ملعبًا وكرة تدخل المرمى، وفوزًا وخسارة. إنها مجموعة كيان، وتاريخ، ومعاناة، وقصص، وجمهور يتداول العشق ويتوارثه الأجيال.
كل منا له قصة مع هذا الاتحاد الذي ملأ الفؤاد وزاد.
وأجمل القصص هي التي عاشها سادة المدرجات. نعم، هم سادة الملعب، فبغير الجماهير لا طعم ولا رونق للمباريات.
انظر إلى الملعب وهو خالٍ من الناس، فكأنك تهيم في صحراء يسيطر عليها الظمأ، ويندر فيها العشب.
ثم انظر إليه إذا اكتظ بالعاشقين، وكل منهم يهتف عاشقًا من ضمن الملايين.
هنا تشعر بالحياة، وأنها تركض فقط لأجلك، على وقع خطى محبوبك.
أعود وأقول: بالنسبة لي، الاتحاد هو عنصر من حياتي كبقية العناصر.
أنا إنسان مكنون العواطف إلى حد كبير في المشوار الطويل، ولكني رهيف الحس، قريب الدمعة، شغول البال عند حدة الحالة وحداثتها، وبالذات عندما أخلو بها.
فأتَصارع معها، ولكن غالبًا عندما أكون وحيدًا تنتصر عليّ، فتبكيني وتأخذ مني ما تشاء.
المهم أنني أتحدث مع نفسي، معاتبًا: اكتمي ما شئت، فخراجك إلى قلبي، وذاتي كلها. وآثارك تخضب عمري، كل سنة تنال نصيبها، وقد تتحدى إحداها الأخرى وتقول :
أنا التي أكثر منك معاناة، ببعديها؛ الفرح والألم.
ولكن أخيرًا ينتصر الصبر والتسامح، رغم كل شيء.
الحب في حياتنا لا نختاره ولا نمنعه ولا نصنعه . هو شيء جميل إجباري، يتكون من كل السنين والأحداث والمعاناة.
وفي الختام، لا نخلط بين العشق والواجب.
فالعشق شعور وسعادة، والواجب أداء وأمانة. وكلاهما يمتزجان، فيصنعان الحياة.
لا أدري… هل أجبت؟
أم قُيدت القضية ضد مجهول؟

