لم يكن مستغرباً أن يثير «تحالف مكة» نقاشاً سياسياً وإعلامياً واسعاً؛ فالاتفاقية الدفاعية بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان ليست حدثاً عابراً، وأي إعادة ترتيب للشراكات الأمنية في المنطقة تستحق أن تُقرأ وتُحلل. لكن اللافت هذه المرة ليس مجرد النقاش، وإنما درجة الانزعاج التي ظهرت لدى بعض الأصوات، وسرعة الحكم على تحالف لم يمضِ على توقيعه سوى أيام. والأهم أن هذا الخطاب برز بصورة واضحة لدى بعض الكتاب والمغردين الإماراتيين، ومن بينهم الدكتور عبدالخالق عبدالله والدكتور أنور قرقاش، وهما من الشخصيات الإماراتية المعروفة ذات الحضور السياسي والإعلامي البارز. وهذا لا يعني بالضرورة أن مواقفهما تمثل الموقف الرسمي لدولة الإمارات، لكنه يجعلها جديرة بالقراءة والنقاش.
وقد ذهب بعض هذا الخطاب إلى التقليل من أهمية التحالف، والتشكيك في قدرته على الاستمرار أو تحقيق أهدافه، بل والقول إن الأولى بالمملكة أن تتجه إلى تحالف خليجي بدلاً منه. وهنا لا أريد الدخول في سجال مع الأشخاص، فالاختلاف في الرأي حق مشروع، لكن عندما يتكرر هذا الطرح بهذا الوضوح، فمن حق القارئ أن يسأل: لماذا كل هذا الاهتمام؟ فالتحالف لم يمضِ على توقيعه سوى أيام، ولم تبدأ بعد اختباراته العملية، ولم تتشكل جميع آلياته، ولم نرَ كيف ستترجم الدول الثلاث ما اتفقت عليه إلى تعاون عسكري وأمني وصناعي واستخباراتي فكيف أمكن إصدار حكم نهائي على جدواه بهذه السرعة؟
التحالفات لا تُقاس يوم توقيعها، وإنما بما تبنيه الدول بعدها. والدول لا تتحالف لأنها متطابقة في كل شيء، وإنما لأنها تجد مصالح مشتركة كافية للتعاون في مجالات محددة. وليس مطلوباً من السعودية وتركيا وباكستان أن تتفق في جميع ملفات السياسة الخارجية حتى تتعاون دفاعياً؛ فهذا ليس منطق التحالفات الدولية. وإذا كانت الدول الثلاث قد وجدت أن أمنها ومصالحها تقتضي تعزيز التعاون الدفاعي فيما بينها، فما المشكلة في ذلك؟ هل أصبحت خيارات السعودية الاستراتيجية شأناً يحق للآخرين أن يحددوا لها حدوده؟ وإذا كانت هناك رغبة حقيقية في تعزيز التعاون الخليجي، فذلك أمر مرحب به، ولا تحتاج المملكة إلى من يذكّرها بأهمية الخليج وأمنه. لكن القول إن تعزيز التعاون الخليجي يجب أن يكون بديلاً عن أي شراكة سعودية خارج الإطار الخليجي يحتاج إلى مراجعة.
لماذا يكون الاختيار «إما الخليج وإما تركيا وباكستان»؟ ولماذا لا يكون: الخليج وتركيا وباكستان وشراكات أخرى؟
الدول التي تريد حماية أمنها لا تضع كل أوراقها في سلة واحدة. والمملكة، بحجمها السياسي والاقتصادي والجغرافي، من الطبيعي أن توسع شبكة شراكاتها، وأن تبحث عن مصادر متعددة للقوة والردع. بل إن تنويع الشراكات قد يكون جزءاً من تعزيز أمن الخليج نفسه، وليس إضعافاً له. ثم إن الاتفاقية لم تُعلن بوصفها موجهة ضد دولة بعينها. إنها اتفاقية دفاع مشترك بين ثلاث دول، ومن حق هذه الدول أن تطور تعاونها بالطريقة التي تراها مناسبة. ولهذا فإن البحث عن «عدو مشترك» بوصفه شرطاً لجدوى التحالف قد يكون قراءة تقليدية لمفهوم التحالفات الحديثة. فالتحالف لا يحتاج دائماً إلى إعلان اسم عدو حتى تكون له قيمة؛ فقد يكون هدفه ببساطة رفع كلفة الاعتداء وتعزيز الردع. والردع لا يُقاس بعدد المعارك التي يخوضها التحالف، وإنما بعدد المعارك التي يمنع وقوعها.
ومن اللافت أن الاتفاقية حظيت باهتمام وتحليل في أكثر من عاصمة، بما فيها إسرائيل، التي تعاملت بعض تحليلاتها مع التقارب السعودي التركي الباكستاني باعتباره تطوراً يستحق المتابعة. وهذا طبيعي؛ فالدول تراقب أي تغير محتمل في موازين القوى. أما أن يأتي البعض ليقرر، بعد أيام قليلة، أن الاتفاقية «هشة» و«غير مجدية»، فهذه ليست بالضرورة القراءة الأكثر موضوعية. قد تنجح الاتفاقية، وقد تتعثر، وقد تتطور مستقبلاً، وقد تبقى في حدودها الحالية. لكن لا أحد يملك اليوم ما يكفي من المعطيات ليعلن نتيجتها النهائية. ومن هنا فإن الموقف الأكثر عقلانية هو الانتظار. دعوا التحالف يعمل، ثم احكموا عليه من خلال نتائجه.
لكن ثمة سؤالاً آخر ربما يكون أكثر أهمية من كل ما سبق: لماذا لم نسمع هذا الحماس نفسه في تقييم التحالفات والشراكات الأخرى التي مضى عليها سنوات، وخاصة تلك التي تكون الإمارات طرفاً فيها، سواء مع الهند أو إسرائيل، أو حتى شراكاتها وعلاقاتها مع إيران، التي سبق أن تناولها الإعلام الإماراتي نفسه بوصفها منفذاً مهماً للتجارة والتواصل مع طهران؟ إذا كان بعض الإعلام الإماراتي يرى أن من واجبه تقييم التحالفات الإقليمية وقياس جدواها، فهذا حقه، بل هو أمر محمود. لكن سيكون من المفيد أن يمتد هذا الاهتمام إلى الشراكات التي مضى على بعضها سنوات، فيطلعنا أصحاب هذا الرأي على نتائجها: ماذا حققت للإمارات؟ ماذا أضافت إلى أمن الخليج؟ وما الذي استفادت منه دول المنطقة؟
ليس من المنطقي أن نطلب من تحالف جديد كشف حساب بعد أيام، بينما نمنح تحالفات وشراكات أخرى سنوات قبل أن نسألها عن حصيلتها. إن كانت النتائج هي المعيار، فلننتظر النتائج من الجميع. وإن كانت المصلحة الخليجية هي المعيار، فلنقِسها بالمسطرة نفسها على الجميع. أما أن يُحكم على تحالف مكة قبل أن يبدأ، بينما تؤجل أسئلة النتائج عن تحالفات مضى عليها وقت طويل، فهنا لا يعود السؤال عن قوة التحالف أو ضعفه فقط، وإنما عن معيار الحكم نفسه. والسعودية لا تحتاج إلى الدخول في هذا السجال. لقد اختارت أن توسع خياراتها الاستراتيجية، وتحالفت مع من ترى أن التعاون معه يخدم أمنها ومصالحها، وهذا حق سيادي لا يحتاج إلى تبرير.
ومن حق الأشقاء أن يختلفوا، ومن حقهم أن ينتقدوا، لكن يبقى من حق السعودية أيضاً أن تختار طريقها.
ولعل أفضل ما يمكن أن يقال لمن استعجل الحكم على تحالف مكة: لا تحكموا على السفينة وهي في الميناء؛ اتركوها تبحر أولاً، ثم اسألوا إلى أين وصلت. فربما يكون القلق على سلامة وصولها والخوف من نجاحها أبلغ من المراهنة على غرقها.

