المقالات

وجهك مائل..!

ماذا لو اجتزت اختبارات القبول كلها، ثم اكتشفت أن مستقبلك متوقف على شيء لم يخبرك به أحد: أن يكون وجهك مستقيمًا بما يكفي لإرضاء المسطرة؟
يبدو أن بعض المقابلات الشخصية لم تعد تبحث عن الكفاءة وحدها، بل عن معايير غامضة لا نعرف لها اسمًا واضحًا: القبول النفسي، والانطباع الأول، أوكما اكتشفنا حديثًاهندسة الوجه ودرجة ميلانه!
والحكاية، على غرابتها، ليست من خيال كاتب يبحث عن مادة ساخرة، بل واقعة حدثت لخريج حديث من المرحلة الثانوية، يحمل نسبة موزونة تتجاوز 92%، وتقدّم للقبول في أحد القطاعات العسكرية. دخل رحلة الاختبارات المعتادة: فحص طبي، ولياقة بدنية، واختبارات للعيون وتمييز الألوان، وفحوص أخرى مصاحبة.
كان الشاب يجتاز مرحلة تلو الأخرى، حتى ظن أن المسألة تسير وفق قاعدة بسيطة:
تنجح في الاختبارات = تنتقل إلى المرحلة التالية.
لكن يبدو أن هناك بندًا إضافيًا لم تخبرنا عنه كتب الرياضيات:
أن يكون وجهك مستقيمًا بما يكفي لإرضاء المسطرة!
ففي إحدى مراحل الفحص، وبعد أن اجتاز المتقدم ما طُلب منهبحسب روايتهفوجئ بأحد القائمين عليه يخبره بما معناه:
لقد اجتزت كل شيءلكن وجهك مائل!
وجهك ماذا؟!
مائل!
وهنا دخلت المسطرة إلى المشهد؛ تلك الأداة التي كنا نظن أن مهمتها انتهت منذ أيامالهندسة المدرسية، فإذا بها تُستدعى للفصل في مستقبل شاب. وُضعت على وجهه،وكأننا أمام مخطط هندسي يحتاج إلى مراجعة استشاري قبل إصدار رخصة البناء!
ولا أدري: هل المطلوب في بعض المقابلات متقدم لوظيفة، أم واجهة مبنى لا تتجاوز نسبة الميل المسموح بها؟
إذا كان هناك اشتراط طبي يتعلق بتماثل الوجه أو سلامة تكوينه، فهذا أمر مفهوم، لكن له أطباء مختصون، ومعايير واضحة، وفحوص يمكن قياسها وتوثيقها، لا انطباع عابر ينتهي بمسطرة على الخد.
فالمشكلة ليست في حق الجهة في القبول أو الرفض، ولا في وضع شروطها النظامية والطبية والمهنية، بل في طريقة الرفض وأسبابه ومعاييره. فالفرق كبير بين أن يُقاللشاب: «لم تحقق المعيار الطبي المحدد في البند كذا»، وبين أن تُختصر سنوات دراسته وتفوقه واختباراته في جملة غامضة:
«وجهك مائل»!
والأكثر إثارة للدهشة أن الشاب نفسه قُبل لاحقًا في قطاع عسكري آخر، واجتاز إجراءاته ومتطلباته، وهو قطاع لا تقل مسؤولياته عن غيره.
وهنا تصبح الحكاية أكثر طرافة: فإما أن الوجه قد استقام في الطريق بين الجهتينوهذه معجزة تستحق أن تُدرّس في كليات الطبوإما أن المسطرة الأولى كانت شديدة الحساسية!
وربما كان ينبغي على الشاب، احتياطًا، أن يحمل معه في المقابلة التالية: ميزان ماء ،و فرجارًا، ومنقلة هندسية، وشهادة من مكتب استشاري تؤكد أن «الواجهة مطابقة للمخطط ولا يوجد بها ميل مؤثر»!
لكن خلف هذه الطرفة سؤال مؤسسي جاد: ما الذي ينبغي أن تقيسه المقابلةالشخصية؟ هل غايتها اكتشاف قدرات المتقدم، أم اختبار قدرته على تحمل الإحراج؟وهل الانطباع الشخصي معيار يمكن أن يتقدم على نتائج الفحوص والاختبارات المحددة؟
نحن نتحدث عن شاب في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة، ربما كانت تلك أول مواجهة حقيقية له مع مؤسسة رسمية. اجتهد، ورفع معدله، وتدرّب لاختبار اللياقة، وانتظر القبول، ثم قد يعود إلى أسرته لا يعرف سبب رفضه، سوى أن أحدهم رأى أن وجهه مائل!
المؤسسات الكبيرة لا تخشى المراجعة، بل تكبر بها. والقطاعات العسكرية، بما تقومعليه من انضباط ودقة ومعيار، تحتاج إلى إجراءات اختيار واضحة بقدر حاجتها إلىشروط قبول صارمة. فوضوح أسباب الاستبعاد وعدالتها لا يقلان أهمية عن صرامة الفحوص نفسها.
لسنا ضد رفض المتقدم إذا لم يستوفِ شرطًا، ولا ضد الفحوص الدقيقة مهما بلغتصرامتها. لكننا مع أن يكون لكل رفض سبب مهني قابل للفهم والقياس، يحفظ للجهة هيبتها، وللمتقدم كرامته، وللمعيار قيمته.
أما «وجهك مائل»…
فإن كانت تشخيصًا طبيًا، فليقلها الطبيب في تقرير يستند إلى معيار واضح.
وإن كانت انطباعًا شخصيًا، فالمستقبل أكبر من أن يُقاس بمسطرة.
همزة وصل :
يبقى السؤال : حين قُبل الشاب في القطاع الآخر… هل استقام وجهه فجأة، أم استقامت المسطرة؟!

جمعان البشيري

كاتب و محرر صحفي - جدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى