تمثل المرحلة المدرسية محطة أساسية في بناء شخصية الطالب وتحديد ملامح مستقبله العلمي والمهني، ففيها تتشكل عاداته، وتتضح ميوله، وتنمو قدراته، ويتعلم قيمة الوقت والانضباط وتحمل المسؤولية. ومن هنا، فإن النجاح لا يبدأ عند دخول الجامعة أو الحصول على الوظيفة، بل يبدأ منذ مقاعد الدراسة، ومن إدراك الطالب أن لكل يوم دراسي أثرًا في مستقبله. ويأتي الانضباط الدراسي والابتعاد عن الغياب في مقدمة عوامل النجاح؛ فالطالب المنضبط في حضوره، والمحافظ على أداء واجباته، والحريص على احترام الوقت، يكتسب مبكرًا صفات يحتاج إليها طوال حياته. أما كثرة الغياب فلا تعني فقط فقدان بعض الدروس، وإنما قد تؤدي إلى ضعف التحصيل العلمي، وتراجع الدافعية، وفقدان التواصل الفاعل مع المعلمين والزملاء. والانضباط الحقيقي لا يقتصر على وجود الطالب داخل الفصل، بل يشمل حضوره الذهني، وإنصاته، ومشاركته، وحرصه على السؤال والاستفادة. ومن يتعلم الالتزام في المدرسة سيكون أكثر قدرة على النجاح في الجامعة، والتميز في العمل، والتعامل بمسؤولية مع متطلبات الحياة. ومع اقتراب الطالب من المرحلة الجامعية، تبدأ الأسئلة المتعلقة باختيار التخصص والمستقبل الوظيفي. وكثير من الطلاب يطمحون إلى الالتحاق بالتخصصات العلمية والطبية، وهي تطلعات مشروعة، لكن المهم ألا يتحول اسم التخصص إلى غاية منفصلة عن قدرات الطالب وميوله. فليست هناك تخصصات عظيمة وأخرى قليلة الأهمية، وإنما هناك طالب يبدع في تخصص يناسبه، وآخر قد يتعثر في تخصص اختاره استجابة لضغط اجتماعي أو تقليدًا لأصدقائه. وقبل دخول الجامعة، ينبغي للطالب أن يقرأ جيدًا عن التخصصات المتاحة، ويتعرف إلى مقرراتها وطبيعة الدراسة فيها، وفرصها الوظيفية المستقبلية، وأن يستفيد من تجارب المختصين والطلاب والخريجين.فالاختيار الجامعي قرار مصيري لا يصح أن يُبنى على انطباع عابر أو رغبة مؤقتة، بل على معرفة وتفكير واستشارة.كما أن الجامعة ليست مكانًا للحصول على شهادة فقط، وإنما بيئة لبناء الشخصية، وتوسيع المدارك، واكتساب المهارات، وتكوين العلاقات العلمية والمهنية. ولهذا يحتاج الطالب قبل دخولها إلى تطوير لغته الإنجليزية، وتعزيز مهاراته الرقمية، وتعلم إدارة الوقت، والقراءة والبحث والكتابة العلمية، والاعتماد على النفس، لأن النجاح الجامعي يرتبط بدرجة كبيرة بالمبادرة وتحمل المسؤولية.ورغم أهمية الشهادة الجامعية، فإنها لم تعد وحدها كافية للتميز في سوق العمل. فالتحولات التقنية والاقتصادية المتسارعة جعلت أصحاب العمل يبحثون عن الخريج القادر على توظيف معرفته، والتعامل مع المشكلات، والعمل ضمن فريق، والتواصل بفاعلية، والتكيف مع المتغيرات.ولعل أهم مهارة يحتاج إليها الطالب اليوم بجانب الشهادة هي القدرة على التعلم المستمر، لأن المعارف تتجدد، والوظائف تتطور، والتقنيات تتغير بسرعة. ويندرج تحت هذه القدرة التفكير النقدي، وحل المشكلات، والذكاء الاجتماعي، والمهارات الرقمية، وإتقان اللغة الإنجليزية، والاستخدام الواعي والمنتج لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. فالمستقبل لن يكون للأكثر حفظًا للمعلومات فحسب، بل للأقدر على فهمها وتحليلها وتطبيقها وتطويرها.
أما اكتشاف الميول والتخصص المناسب، فلا يتحقق بالتخمين، وإنما بالملاحظة والتجربة. على الطالب أن يسأل نفسه: ما المواد التي أستمتع بدراستها؟ ما الأعمال التي أؤديها بإتقان؟ هل أميل إلى الأرقام والتحليل، أم إلى اللغة والتواصل، أم إلى الابتكار والتصميم، أم إلى خدمة الناس والعمل الميداني؟
ويمكن للطالب الاستفادة من اختبارات الميول المهنية، والمرشد الطلابي، والبرامج التعريفية التي تقدمها الجامعات، والتجارب التطوعية، والدورات الصيفية، واللقاءات مع المتخصصين. فالتجربة العملية قد تكشف له مواهب واهتمامات لم يكن يعرفها في نفسه.والاختيار الصحيح يقوم على التوازن بين أربعة عناصر رئيسة: ميول الطالب، وقدراته، وقيمه الشخصية، واحتياجات سوق العمل. فلا يكفي أن يحب تخصصًا لا تتناسب متطلباته مع إمكاناته، كما لا ينبغي أن يختار تخصصًا لمجرد أنه مطلوب وظيفيًا وهو لا يجد نفسه فيه. والقرار الناضج هو الذي يجمع بين الرغبة والقدرة والفرصة. وفي ختام المقال، أقول لأبنائي الطلاب وبناتي الطالبات: إن ما تزرعونه اليوم ستحصدون ثماره غدًا، فلا تستهينوا بيوم دراسي، ولا بكتاب تقرؤونه، ولا بمهارة تتعلمونها، فقد تكون معلومة صغيرة أو تجربة عابرة سببًا في فرصة كبيرة تغير مسار حياتكم.اجعلوا طموحكم عاليًا، وثقتكم بالله كبيرة، وثقتكم بأنفسكم راسخة، واحترموا والديكم ومعلميكم، واحفظوا أوقاتكم من الضياع، ولا تسمحوا للأجهزة الذكية بأن تسرق أعماركم وأحلامكم. ولا تخافوا من الخطأ أو التعثر، فالنجاح ليس طريقًا خاليًا من الصعوبات، وإنما هو القدرة على التعلم والنهوض والاستمرار. إن وطنكم، في ظل رؤية المملكة المستقبلية الطموحة 2030، يفتح أمامكم آفاقًا واسعة، ويستثمر في تعليمكم وقدراتكم، وينتظر منكم علمًا نافعًا، وعملًا مخلصًا، وأخلاقًا رفيعة، وإبداعًا يسهم في نهضته. فكونوا جديرين بهذه الثقة، واجعلوا من سنوات الدراسة بدايةً لمستقبل تفخرون به، ويفخر بكم وطنكم.



