تمر شركات ضيافة الحجيج بمرحلة تحول تاريخية، تتطلب أعلى درجات المسؤولية والحوكمة والاستقرار المؤسسي، فهي ليست كيانات تجارية تقليدية فحسب، بل جزء أصيل من منظومة خدمة ضيوف الرحمن، وتحمل رسالة وطنية وإقتصادية تتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
فعندما يعتزل عدد من أعضاء مجلس إدارة إحدى هذه الشركات، أو يستقيلون بصورة جماعية مفاجئة، تؤدي بلا شك إلى فقدان النصاب تعطيل قدرة من تبقى من المجلس على أداء مهامه، إذ المسألة لا تُختزل في مغادرة أشخاص لمقاعدهم، بل تمتد آثارها إلى الشركة والمساهمين والموظفين والمتعاملين معها، غير متناسين أن الكرسي الإداري ليس امتيازًا شخصيًا، و إنما أمانة ومسؤولية لا يجوز التخلي عنها، بطريقة تترك الكيان في حالة من الارتباك أو الفراغ، الذي بلا شك سيؤدي إلى شلل كلي أو جزئي للكثير من القرارات الرئيسية في إدارة الشركة، و هنا قد تبدأ الأسئلة في الظهور: من يملك صلاحية التوجيه؟ ومن يراقب الإدارة التنفيذية؟ ومن يعتمد القرارات المؤثرة؟ وكيف تُحمى حقوق المساهمين؟ وما مصير الملفات المالية والإستثمارية والتشغيلية القائمة؟
كل تلك الملفات تبقى شائكة إذا لم تُعالج بسرعة و وضوح وفق الإجراءات النظامية المبنية على اللوائح، و قد يتحول الفراغ الإداري إلى مساحة خصبة للإجتهادات المتعارضة، وتضارب الصلاحيات، وتقاذف المسؤولية، وتأخر القرارات المهمة. وقد تجد الإدارة التنفيذية المتبقية نفسها أمام تحديات كبيرة، بينما يبقى المساهم حائرًا بين روايات متعددة ومعلومات متناقضة، و لا يعني ذلك بالضرورة توقف أعمال الشركة، فالمنظومة التشغيلية قد تستمر بجهود الإدارة التنفيذية المتبقية والموظفين، ولكن إستمرار التشغيل اليومي لا يغني عن وجود مجلس مكتمل وقادر على ممارسة دوره في التوجيه الاستراتيجي والرقابة والمساءلة..
و هنا يبقى السؤال: من المسؤول عن ذلك التخبط؟
و ليس من الإنصاف تحميل المساهمين وحدهم مسؤولية و تكاليف التخبط الذي يحدث بعد الفراغ الإداري، فالمساهم عندما لا يجد بيانًا رسميًا واضحًا ومعلومات محدثة، يبحث عن الإجابة في مجموعات التواصل الإجتماعي والمجالس الخاصة بالمساهمين، و ستختلط المعلومة بالرأي، والوثيقة بالإشاعة، والتحليل القانوني بالرغبة الشخصية.ة، في حين
سينقسم المساهمون بعد ذلك إلى مجموعات متنافسة، وكل مجموعة تعتقد أنها تملك الحقيقة كاملة، عندها يتحول النقاش من حماية الشركة إلى الدفاع عن أشخاص، ومن تقييم الأداء إلى تبادل الإتهامات، ومن المطالبة بالشفافية إلى صناعة الإستقطاب..
و قد يشارك غياب التواصل المؤسسي في أسباب إنتشار الفوضى المعلوماتية..
و هنا يأتي دور المساهمين و الجمعية العمومية، في تحميل المسؤولية على المعتزلين من المجلس و محاسبتهم، بما لا يعفيهم من التقييم الإداري و الأخلاقي، مع علمنا أن الإستقالة حق تقره الأنظمة واللوائح، وقد تكون لها أسباب مهنية أو شخصية معتبرة، ولكنها لا تمحو المرحلة السابقة ولا تمنع المساهمين من تقييم أداء المجلس خلال فترة مسؤوليته، و من حق المساهمين أن يعرفوا، عبر القنوات النظامية والوثائق المعتمدة، أسباب الاعتزال أو الإستقالة، وحالة الملفات القائمة، والقرارات التي اتُخذت قبل المغادرة، ومدى سلامة تسليم المهام لمن تبقى من أعضاء المجلس، و ما اتخذ من الإجراءات لحماية الشركة و مساهميها من آثار الفراغ، على أن يكون التقييم موضوعيًا، وأن يستند إلى وقائع مثبتة، بعيدًا عن التشهير أو تصفية الحسابات، فالمحاسبة المؤسسية لا تقوم على الضجيج، بل على الإفصاح والتوثيق وتطبيق النظام، بمعالجة الفراغ الإداري بالإفصاح الواضح والموثق، وتحديد الوضع النظامي للمتبقي من المجلس، وبيان الجهة التي تمارس الصلاحيات خلال المرحلة الانتقالية، والإسراع في استكمال الإجراءات اللازمة لتشكيل مجلس جديد وفق الأنظمة واللوائح..
كما تحتاج الشركات إلى خطة انتقالية معلنة تتضمن المحافظة على استمرارية الأعمال، وحماية العقود والأصول، وضبط الصلاحيات المالية والإدارية، ومتابعة القرارات الجوهرية، ورفع مستوى التواصل مع المساهمين، بنشر المعلومات الواضحة في وقتها، والرد على استفسارات المساهمين عبر قناة رسمية، وعدم إعطاء الدور لمجموعات التواصل المختلفة، لتصبح المصدر الرئيس للمعلومة..
خاتمة:
الكيان أكبر من الجميع
شركات مقدمي خدمات الضيافة، أقدم وأكبر من أي مجلس أو إدارة أو مجموعة مساهمين، بإعتبار أن الأشخاص يتغيرون، والمناصب تنتهي، لكن الكيان يبقى، وحقوق المساهمين تبقى، ورسالة خدمة ضيوف الرحمن تبقى..
فاولى بنا أن نعرف أن الكرسي ليس ملكًا لأحد، والإعتزال لا ينبغي أن يترك خلفه فوضى تهدم الكيان، و من الأمانة أن يحمي مجلس الإدارة الكيان وحقوق مساهميه عندما تشتد المسؤولية، لا أن يغادر عندما يصبح البقاء مكلفًا، حينها سيكون الهروب بالإعتزال فشلا و إخلالا بالأمانة..
0