كتاب الرأي

مذكرة صغيرة غيّرت طريقة عملي

في فترة من فترات عملي، وخاصة عندما كنت رئيسًا لأحد الأقسام، واجهت مشكلة يعرفها كثير من الموظفين والمديرين: تراكم المعاملات وتأخر إنجازها. لم يكن ذلك إهمالًا، بل نتيجة كثرة الأعمال وتشابك المسؤوليات؛ فالمعاملة التي تضعها أمامك اليوم قد تختفي غدًا تحت مجموعة من الأوراق، ثم لا تتذكرها إلا عندما يأتي السؤال: ماذا تم بشأنها؟

كنت آنذاك أجمع بين عملي في تخصصي ورئاسة القسم والإشراف على الزملاء، إلى جانب جانب كبير من الأعمال الإدارية والسكرتارية. ولم يكن للقسم سكرتير رغم المطالبة بذلك، كما أن قلة عدد الزملاء وانشغال كل منهم بمهامه جعلت من الصعب تفريغ أحدهم لهذه المهمة. وكانت مسؤولياتي الإشرافية في ذلك الوقت تُؤدى أيضًا دون بدل مالي للإشراف، إذ لم يكن متاحًا آنذاك.

ومع تعدد المعاملات، سواء المتعلقة بالموظفين أو بأعمال الإدارة أو بجهات خارجية، بدأت الأوراق تتراكم. بعضها عاجل ومرتبط بموعد محدد، وبعضها قد يتأخر حتى تنتهي مدته، بل إنني كنت أجد أحيانًا صعوبة في العثور على معاملة بعينها وسط الأوراق المتراكمة.

عندها تذكرت نصيحة سمعتها عن أهمية التدوين، وأن الذاكرة مهما كانت قوية لا ينبغي أن نعتمد عليها وحدها في إدارة أعمالنا.

خصصت مذكرة بسيطة أسجل فيها كل معاملة تصل إليّ، بصورة تشبه سجل الوارد والصادر: تاريخها، وموضوعها، وما المطلوب بشأنها، وموعد إنجازها أو إعادتها. ثم جعلت مراجعة هذه المذكرة عادة يومية؛ أرى ما أُنجز، وما بقي، وما اقترب موعده، وأرتب الأولويات وفق أهمية كل معاملة واستعجالها.

وكان التفويض جزءًا آخر من الحل. فقد كنت أسند إلى بعض الزملاء ما يمكن إسناده من مهام، وأتابع إنجازها، لكن ذلك لم يكن ممكنًا دائمًا؛ لأن لكل منهم أعماله ومسؤولياته. وهنا تعلمت أن التفويض ليس نقل المسؤولية إلى الآخرين، بل حسن توزيع العمل مع استمرار المتابعة وتحمل المسؤولية النهائية.

شيئًا فشيئًا تغير الوضع. تراجع تراكم المعاملات، وأصبحت أكثر قدرة على معرفة ما أُنجز وما بقي وما يحتاج إلى متابعة.

وأذكر موقفًا أكد لي قيمة هذه الطريقة. كنا في اجتماع يضم الإدارة وعددًا من الأقسام، فسأل مديرنا عن معاملة سبق أن طلب إنجازها. بعض الحاضرين نسيها، وبعضهم لم ينجزها، أما أنا فكنت قد أنجزتها وأحضرتها معي. أعجب المدير بذلك، وأثنى علي وشكرني أمام الحاضرين.

أدركت يومها أن المشكلة لم تكن في القدرة على الإنجاز، وإنما في إدارة العمل. فكثرة المسؤوليات تحتاج إلى نظام يحفظها من النسيان، ويحدد أولوياتها، ويوزع ما يمكن توزيعه منها.

ومن هذه التجربة بقي معي درس بسيط: لا تعتمد على ذاكرتك وحدها. اكتب، وحدد الموعد، ورتب الأولويات، وراجع، وفوّض ما يمكن تفويضه.

واليوم تغيرت الأدوات؛ فبدل المذكرة الورقية هناك الهواتف والتقويمات الإلكترونية وتطبيقات إدارة المهام والتنبيهات، لكن القاعدة لم تتغير:

ما لا تسجله قد تنساه، وما لا تراجعه قد يتأخر.

لقد بدأت الحكاية بكومة من المعاملات ومذكرة صغيرة، وانتهت بدرس إداري ما زلت أراه مهمًا: ليس النجاح في أن تتذكر كل شيء، بل في أن تبني نظامًا لا يجعلك بحاجة إلى تذكر كل شيء.

د. عبدالرحمن حسن جان

دكتوراه في علم الاجتماع، وباحث في القضايا الأسرية والاجتماعية، مهتم بدراسة التحولات الاجتماعية وتعزيز الوعي الأسري والاستقرار النفسي والاجتماعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى