
في عالم العمل، كثيراً ما ننشغل بالسؤال:
كيف نجعل الموظف أكثر إنتاجية؟
كيف ندفعه إلى الابتكار؟
وكيف نبني مؤسسة قادرة على التغيير ومواجهة التحديات؟
لكن ربما يسبق هذه الأسئلة سؤال أكثر بساطة وعمقاً:
هل يشعر الموظف أصلاً بأن له قيمة ومكانة داخل مؤسسته؟
هذا السؤال هو جوهر دراسة حديثة نشرت هذا العام في مجلة BMC Psychology، تناولت العلاقة بين المكانة التي يشعر بها الموظف داخل المؤسسة، والتمكين النفسي، والاستعداد للمبادرة والمشاركة في التغيير. واعتمد الباحثون على دراستين تجريبيتين، إضافة إلى مسح واسع شمل 1,017 موظفاً، وخلصوا إلى أن ارتفاع المكانة التنظيمية المدركة ارتبط بزيادة التمكين النفسي والسلوكيات التطوعية الداعمة للتغيير.
الموظف لا يعمل بوظيفته فقط… بل بمكانته أيضاً
هناك فرق كبير بين موظف يحضر إلى عمله لينفذ ما طلب منه، وموظف يشعر أن صوته مسموع، وأن رأيه محترم، وأن وجوده يصنع فرقاً. الأول قد يؤدي واجبه بكفاءة، لكنه غالباً سيتوقف عند حدود الوصف الوظيفي. أما الثاني، فقد يسأل:
لماذا نفعل الأمر بهذه الطريقة؟ هل توجد وسيلة أفضل؟ ماذا لو غيرنا هذا الإجراء؟ وكيف يمكنني مساعدة زملائي على التكيف مع التغيير؟
وهذا ما يصفه الباحثون بـسلوك المواطنة التنظيمية الموجه نحو التغيير أي تلك المبادرات التي يقوم بها الموظف من تلقاء نفسه، خارج حدود واجباته الرسمية، بهدف تحسين إجراءات العمل، واقتراح طرق جديدة، ومساعدة الآخرين على التكيف، ودعم الابتكار المؤسسي.
وهنا تظهر رسالة إدارية شديدة الأهمية: الابتكار لا يبدأ دائماً من الميزانية أو التقنية… قد يبدأ من شعور الإنسان بأن له مكاناً وصوتاً وتأثيراً.
التمكين النفسي… الحلقة التي تصنع الفرق
تكمن أهمية الدراسة في أنها لم تكتف بإثبات العلاقة بين المكانة والسلوك، بل حاولت تفسير ما يحدث بينهما.
والإجابة كانت: التمكين النفسي.
فالتمكين النفسي يرتبط بأربعة أبعاد أساسية: أن يشعر الإنسان بأن عمله ذو معنى، وأنه يمتلك الكفاءة للقيام به، وأن لديه قدراً من الاستقلالية، وأن لما يفعله أثراً حقيقياً في بيئة عمله. وحين يشعر الموظف بالتقدير والثقة، وبأن المؤسسة ترى قيمته، يتحول ذلك تدريجياً إلى شعور داخلي بالقدرة والمسؤولية والتأثير. وعندها يصبح أكثر استعداداً لأن يقترح ويجرب ويشارك في صناعة الحلول بدلاً من انتظار التعليمات.
وقد دعمت الدراسة هذا المسار إحصائياً… إذ أظهر المسح الكبير أن التمكين النفسي توسط جزئياً العلاقة بين المكانة التنظيمية المدركة والسلوك الموجه نحو التغيير.
ولكن… ماذا لو أخطأ الموظف؟
هنا تأتي، في تقديري، أكثر رسائل الدراسة إثارة للاهتمام.
فالمؤسسة قد تطلب من موظفيها الابتكار، لكنها في الوقت نفسه تعاقب كل تجربة لم تنجح. وقد تدعوهم إلى المبادرة، ثم تجعل الخطأ سبباً للتشهير أو اللوم أو فقدان الثقة.
كيف يمكن للابتكار أن يعيش في مثل هذه البيئة؟
الدراسة تشير إلى أهمية ما يسمى التسامح التنظيمي مع الخطأ… أي وجود بيئة تسمح بمناقشة الأخطاء والتعلم منها، وتشجع البحث عن حلول جديدة من دون أن يعيش الموظف تحت الخوف المستمر من العقاب.
وهذا لا يعني التساهل مع الإهمال أو تكرار الأخطاء أو تجاوز الأنظمة. بل يعني التفريق بوضوح بين خطأ يحدث أثناء التعلم والتجريب المسؤول، وإهمال يتكرر من دون تصحيح أو مساءلة.
حتى السيناريو المستخدم في الدراسة عبر عن هذا التوازن بذكاء: للخطأ قيمة يمكن التعلم منها، لكن تكرار الخطأ نفسه ليس مقبولاً.
وهذه ثقافة تحتاج إليها المؤسسات الحديثة: لا تقديس للخطأ، ولا تجريم للتجربة.
الخوف يصنع الصمت… والأمان يصنع الأفكار
المؤسسة التي يخشى موظفوها من الخطأ قد تبدو هادئة ومنضبطة، لكن هذا الهدوء ليس بالضرورة علامة صحة.
أحياناً يكون صمتاً تنظيمياً.
يعرف الموظف أن هناك مشكلة، لكنه لا يتحدث. يرى إجراء يمكن تطويره، لكنه يقول في نفسه: “ليس من شأني”. يمتلك فكرة، لكنه يخشى أن ترفض أو تحسب عليه. ويكتشف خطأً مبكراً، لكنه يتردد في الإبلاغ عنه.
وهنا تكون المؤسسة قد خسرت شيئاً أثمن من فكرة واحدة… خسرت شجاعة موظفيها على الكلام.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن ارتفاع التسامح مع الخطأ يقوّي العلاقة بين المكانة التنظيمية المدركة والتمكين النفسي… ففي المسح الميداني أصبح أثر المكانة على التمكين أقوى عندما ارتفع مستوى التسامح التنظيمي مع الخطأ.
ومن هنا يمكن تلخيص معادلة المؤسسة المتجددة في ثلاث كلمات:
التقدير ← التمكين ← المبادرة.
وتحيط بهذه المعادلة ثقافة رابعة لا تقل أهمية: الأمان النفسي والتعلم من الخطأ.
القائد الحقيقي لا يحتكر القيمة
من أخطر الأخطاء الإدارية أن تصبح المكانة امتيازاً مرتبطاً بالمنصب وحده.
فالقيادة الحقيقية ليست في أن يشعر المدير بأنه أهم شخص في المكان، وإنما في قدرته على جعل الآخرين يشعرون بأنهم مهمون أيضاً.
أن يستمع إلى الموظف الأصغر قبل الأكبر، وأن يمنح أصحاب الخبرة مساحة للتأثير، وأن يعترف بالمبادرة، ويقدم تغذية راجعة محترمة، ويتيح للموظفين المشاركة في القرارات التي تمس عملهم.
وهذا يتفق مع التطبيقات الإدارية التي اقترحتها الدراسة: تعزيز التواصل الداخلي الشفاف، وإتاحة المشاركة في اتخاذ القرار، وتوفير التدريب والتطوير، ومنح قدر مناسب من الاستقلالية، وبناء آليات واضحة للتعامل مع الأخطاء والتعلم منها.
بل يذهب الباحثون إلى أن شعور الموظف بأنه مرئي ومقدر ومؤثر يمكن تعزيزه عبر الاعتراف العادل بالجهود، وإتاحة فرص حقيقية للتعبير، والمعاملة القائمة على الاحترام، إلى جانب مراجعة الأخطاء بهدف التعلم والتحسين بدلاً من البحث السريع عمن نلقي عليه اللوم.
من ثقافة «من أخطأ؟» إلى ثقافة «ماذا تعلمنا؟»
لعل التحول الأهم الذي تحتاج إليه المؤسسات اليوم هو تغيير السؤال الذي يلي الخطأ.
بدلاً من أن يكون السؤال الأول دائماً: من أخطأ؟
يمكن أن نسأل أولاً:
ماذا حدث؟
لماذا حدث؟
ماذا تعلمنا؟
وكيف نمنع تكراره؟
ثم تأتي المساءلة العادلة عندما تكون مطلوبة.
هذه ليست فلسفة إدارية ناعمة، بل طريقة لبناء مؤسسة تتعلم. فالمنظمة التي تخفي أخطاءها ستكررها، أما المنظمة التي تكشفها وتحللها وتتعلم منها، فتحول الإخفاق الصغير إلى معرفة تحميها من إخفاق أكبر.
ورسالة إلى مؤسساتنا العربية
على الرغم من أن الدراسة أُجريت على موظفين في الصين، وقد حذر الباحثون أنفسهم من التوسع في تعميم بعض نتائج السيناريوهات التجريبية على جميع القطاعات والثقافات، فإن الأسئلة التي تثيرها تستحق التأمل في مؤسساتنا العربية أيضاً.
كم موظفاً موهوباً لدينا لم نكتشف موهبته لأننا لم نسأله؟
وكم فكرة تطويرية ماتت لأنها صدرت من شخص لا يحمل منصباً كبيراً؟
وكم خطأ صغيراً تحول إلى مشكلة كبيرة لأن أحدهم خاف من الاعتراف به؟
وكم مؤسسة تطالب بالابتكار، بينما ثقافتها الداخلية تكافئ الصمت أكثر مما تكافئ السؤال؟
إن بناء المؤسسات الحديثة لا يتحقق بالهياكل واللوائح والتقنيات وحدها. المؤسسة في جوهرها إنسان… وإذا شعر هذا الإنسان بأنه محترم، موثوق به، مسموع الصوت، قادر على التأثير، وآمن عند طرح فكرة مسؤولة أو الاعتراف بخطأ قابل للتعلم، فإننا لا نحصل فقط على موظف أكثر رضا، بل على شريك حقيقي في صناعة التغيير.
فالموظف الذي يشعر أن المؤسسة تراه، يبدأ في رؤية ما تستطيع المؤسسة أن تصبح عليه.
وربما هنا يبدأ الابتكار الحقيقي:
حين لا يخاف الإنسان من أن يقول: لدي فكرة…
وحين يجد قائداً يجيبه: نريد أن نسمعها.

