كتاب الرأي

السعودية والأردن.. حين يصنع التاريخ المستقبل

تتجاوز العلاقات السعودية الأردنية حدود الجوار ومقتضيات السياسة إلى شراكة تاريخية تشكلت عبر عقود طويلة من التفاعل الإنساني والتكامل والمصالح المتبادلة. وقد منحت هذه العلاقة المتراكمة البلدين رصيدًا من الثقة جعلها أكثر قدرة على الصمود أمام تحولات الإقليم وأكثر استعدادًا للانتقال من إدارة المصالح إلى صناعة الفرص. واليوم تبرز الحاجة إلى توظيف هذا الرصيد في بناء شراكة استراتيجية تتسع للاقتصاد والتنمية وتمتد آثارها إلى محيطهما العربي.

وتعود جذور هذا التقارب إلى فضاء تاريخي متصل بين الجزيرة العربية وبلاد الشام حيث لم تكن الحدود الحديثة حاجزًا أمام حركة البشر والتجارة والتفاعل الاجتماعي. ومع قيام الدولة الحديثة أخذ هذا الامتداد الطبيعي صورًا مؤسسية وسياسية واقتصادية رسخت العلاقة ووسعت مجالاتها. ولذلك بقيت الرياض وعمّان أقرب إلى بناء التفاهم في لحظات التحول الإقليمي من الاكتفاء بإدارة الخلافات التي تفرضها الظروف.

وتبرز أهمية المرحلة الراهنة في أن العلاقة بدأت تنتقل من قوة الروابط إلى قوة الشراكة. ويأتي اللقاء الاقتصادي السعودي الأردني الأخير في هذا السياق بوصفه مؤشرًا على توجه يتجاوز التبادل التجاري والاستثمار المنفرد إلى بناء شراكات تجمع رأس المال والخبرة والموقع والقدرة التنفيذية وتفتح أمام قطاع الأعمال في البلدين مجالات تتجاوز حدود السوقين.

وتكمن القيمة الاستراتيجية للأردن في موقعه الذي يصل الخليج بالمشرق العربي وفي خبراته وكفاءاته وقدرته على الارتباط بالأسواق المحيطة. بينما تمتلك السعودية ثقلًا اقتصاديًا واستثماريًا واسعًا وخبرة متراكمة في المشروعات الكبرى وقدرة على تمويل وتطوير قطاعات إنتاجية ولوجستية متقدمة. والتكامل بين هذه العناصر يمكن أن يحول العلاقة من تبادل المنافع إلى إنتاج منافع جديدة عبر مشروعات مشتركة وسلاسل إمداد وأسواق إقليمية.

وتزداد أهمية ذلك مع التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي تعيد تشكيل المنطقة وما ستحتاج إليه من إعادة إعمار وبنية تحتية وطاقة ونقل وخدمات ولوجستيات. وفي هذه البيئة لا يصبح التعاون السعودي الأردني مجرد خيار اقتصادي بل جزءًا من معادلة أوسع لإعادة بناء الروابط الاقتصادية العربية على أسس أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة.

لكن نجاح هذا التحول لن يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بجاذبية التصريحات بل بما يتحول إلى مشروعات وشركات واستثمارات طويلة الأجل. فالتاريخ منح العلاقة الثقة والجغرافيا منحتها الميزة والمصالح منحتها الدافع أما المرحلة المقبلة فتحتاج إلى إرادة تنفيذية تحول الإمكانات إلى نتائج.

ومن هنا فإن مستقبل السعودية والأردن لا ينبغي أن يُقرأ داخل حدود العلاقة الثنائية وحدها. فكلما تعمق التكامل بينهما اتسعت قدرتهما على خدمة الاستقرار والتنمية وفتح ممرات جديدة للتجارة والاستثمار وربط الخليج بالمشرق ضمن شبكة اقتصادية أكثر ترابطًا.

إن قوة العلاقات العربية لا تكمن في استحضار تاريخها فحسب بل في قدرتها على إنتاج مستقبل مشترك. والسعودية والأردن يملكان من التاريخ والثقة والموقع والإمكانات ما يؤهلهما لتحويل شراكتهما إلى نموذج إقليمي يربط الاقتصاد بالاستقرار ويجعل التكامل أداة لصناعة الفرص لا مجرد استجابة لتحولات المنطقة

أ. د. عايض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى