المقالات

منطق الاستدلال في ظل التطور التشريعي السعودي: من فهم الوقائع إلى إنزال الأحكام

لا يكفي في العمل العدلي أن تكون النتيجة صحيحة في ذاتها؛ فقد تنتهي المصادفة إلى الصواب من طريق فاسد، وقد يُبنى الرأي على مقدمات مضطربة ثم يصادف الحكم الصحيح. والعبرة ليست بمجرد النتيجة التي انتهى إليها الباحث أو القاضي أو المحامي، وإنما بسلامة الطريق الذي أوصله إليها، وبقيام التلازم والاتساق بين الوقائع الثابتة، والحكم الشرعي أو القاعدة النظامية الواجبة التطبيق، والرأي النهائي الذي يصدر عنه. هذه هي الصلة بين المنطق والعمل العدلي في جانبيه الشرعي والنظامي.

فالمنطق “الاستدلال الصحيح” ليس ببعيد عن النظر الفقهي، ولا عن ساحات القضاء ومكاتب المحاماة وإدارات الشؤون القانونية، ولا هو ترف فكري يستحسن أن يعرفه المشتغل بالعدالة ولا يضره أن يجهله. إنه الأداة التي تضبط تفكيره، وتعصمه من سوء الفهم والفساد في الاستدلال والتعسف في الاستنتاج. ومن دونه قد تبدو الحجة محكمة، بينما تقوم على واقعة لم تثبت، أو أصل شرعي أسيء فهمه، أو نص نظامي لم يعد نافذاً، أو تفسير خرج بالحكم عن غايته وحدوده.

ومن المقرر أن الحكم القضائي لا يولد من فراغ، وإنما يتكون من مقدمات واقعية وقانونية تفضي إلى نتيجة. فإذا كانت هذه المقدمات صحيحة، وأدى بعضها إلى بعض وفق قواعد العقل والمنطق، استقام الحكم. أما إذا شابها القصور أو التناقض، أو لم تكن النتيجة لازمة عنها، انكشف عيب الاستدلال، ولو صيغ الحكم في لغة جزلة وعبارات مطولة.

وفي المملكة العربية السعودية، يتأسس البناء العدلي على أحكام الشريعة الإسلامية، وتأتي الأنظمة التي يصدرها ولي الأمر في إطارها وبما لا يتعارض مع الكتاب والسنة. وبهذا تتكامل المرجعية الشرعية مع التنظيم النظامي في بناء واحد، يجمع رسوخ الأصول مع القدرة على تنظيم الوقائع المتجددة، ويمنح الاجتهاد مجاله فيما يحتاج إليه من فهم واستنباط، كما يمنح النص النظامي أثره في ضبط الحقوق والإجراءات واستقرار المعاملات.

ويكتسب الحديث عن هذه الصلة دلالة خاصة في مناسبة احتفاء الوطن باليوم الوطني السعودي، والمملكة تمضي ضمن رؤية 2030 في تطوير بيئتها التشريعية والعدلية. فقد صدرت أنظمة الإثبات والأحوال الشخصية والمعاملات المدنية ضمن منظومة التشريعات المتخصصة، لتنظيم مجالات واسعة من الإثبات والحقوق والمعاملات في ضوء أحكام الشريعة ومقاصدها، بالتوازي مع توسع الخدمات العدلية الرقمية وتطوير مرفق القضاء. ومواكبة هذا التحول تقتضي إحاطةً بالنصوص الجديدة، وفهماً لمقاصدها، وقدرةً على تحديد مجال تطبيقها على الوقائع. وهذه كلها مهام تقوم على سلامة النظر والاستدلال.

والنص، شرعياً كان أو نظامياً، لا ينزل بنفسه على الوقائع. فهو يقرر حكماً عاماً أو يضع ضابطاً، بينما تأتي الواقعة في صورة جزئية مركبة، تختلط فيها الأفعال بالدوافع، والأقوال بالمصالح، والثابت بالمحتمل. وبين تجريد النص وخصوصية الواقعة يمارس رجل العدالة أهم وظائفه: يفهم الواقع، ويستخلص عناصره، ثم ينقل الواقعة من صورتها المادية إلى دائرة الحكم.

وقد أحسن ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين تصوير هذا المنهج في عبارة جامعة، فقال: “ولا يتمكَّن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع، والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر”.

والمنطق التشريعي، وإن كان مصطلحاً معاصراً في صياغته، قديم في تطبيقه؛ فقد كان حاضراً في عمل المجتهدين، وتكشف عنه قواعدهم الأصولية وإن لم تُصرّح باسمه. ومن فقِه الشريعة، وتشبع بمقاصدها، وأدرك سنن الشارع في تشريع الأحكام، علم أن تجاوز هذا المنطق يفضي إلى الشذوذ عن نسق التشريع وعما استقرت عليه الذائقة الاجتهادية.

وبلغة العمل العدلي المعاصر، يقابل النوع الأول استظهار الواقعة، والإحاطة بظروفها، وتمحيص أدلتها، ويقابل النوع الثاني تحديد الحكم الشرعي أو القاعدة النظامية الواجبة التطبيق وفهم مضمونها وحدودها. أما المطابقة بينهما فتقارب ما يسميه الأصوليون تحقيق المناط، وهي في الاصطلاح القانوني جوهر التكييف؛ إذ لا يكفي أن يعرف المشتغل بالعدالة الحكم أو النص من غير أن يفقه الواقع الذي يراد إنزاله عليه، كما لا يغني فهم الواقع عن معرفة حكمه الصحيح.

غير أن فهم الواقع ليس بالأمر اليسير. فالواقعة لا تعرض نفسها كما جرت، وإنما تصل من خلال أدلة متفرقة، وشهادات قد تتفاوت في صدقها ودقتها، ومستندات تحتاج إلى تفسير، وقرائن لا تظهر دلالتها إلا إذا اتصل بعضها ببعض. ولذلك يتعين على المشتغل بالعدالة أن يباشر فحص الوقائع بكل دقة، فيميز بين ما يثبت منها وما يشتبه فيه، ويستجلي دلالة كل دليل على حدة وفي سياقه، ثم يؤلف بينها في بناء واحد متماسك يكشف حقيقة ما وقع، من غير أن يغفل طلباً جوهرياً أو دفاعاً قد يغير وجه الرأي فيها.

ولا يجوز له أن يبدأ من النتيجة، ثم يعود إلى الأوراق لانتقاء ما يؤيدها؛ لأن ذلك يقلب وظيفة الاستدلال من البحث عن الحقيقة إلى تسويغ موقف سابق. فسلامة المنهج تقتضي أن تسير النتيجة خلف الدليل، لا أن يُساق الدليل خلف النتيجة. فإذا حمل عبارة على غير معناها، أو اجتزأ شهادة من سياقها، أو استند إلى واقعة لا أصل لها في الأوراق، كان الخلل في منهج الاستدلال قبل أن يظهر أثره في الحكم الشرعي أو النظامي.

وبعد استظهار حقيقة الواقع تبدأ مرحلة إنزال الحكم عليها، ويظهر ذلك في المجال النظامي من خلال التكييف، وهو أدق من مجرد إطلاق اسم قانوني على الواقعة. فالتكييف استدلال ذهني يبحث عن النموذج النظامي الذي تتطابق عناصره مع ما ثبت من الوقائع. وبه تنتقل الواقعة من صورتها المادية إلى دائرة الحكم، فيتحدد وصفها، والنص الذي يحكمها، والآثار التي تترتب عليها.

قد يتسلم شخص مالًا من صاحبه ثم يستولي عليه لنفسه. والقول بأنه أخذ مال غيره لا يكفي للحكم بأن الواقعة سرقة؛ لأن طبيعة الحيازة التي انتقل بها المال إليه قد تجعل الوصف الصحيح خيانة أمانة. وقد يثبت وقوع فعل مادي، ثم يتغير حكمه بحسب القصد المصاحب له، أو زمن التدخل فيه، أو المرحلة التي بلغها تنفيذه. وبهذا المعنى لا يكون التكييف في صورة عمل آلي، بل يحتاج إلى فهم سائر عناصر الواقعة وظروفها، وإلى إدراك صحيح لأركان النموذج النظامي الذي يراد إخضاعها له.

وعلى ذلك، يتوقف التكييف الصحيح على دقة فهم الواقع وسلامة النظر في الحكم الشرعي أو النظامي الواجب التطبيق؛ ومن هنا كانت حاجة رجل العدالة إلى المنطق السليم.

– باحث في الشريعة والقانون

د. أحمد علي الشهري

دكتوراه في الشريعة والقانون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى