
في خضم الأحداث الأخيرة والمصادمات الإعلامية التي حدثت بعد نهاية جولة من جولات الدوري الرياضي وما قامت به هيئة الإعلام من استدعاء لبعض الرياضيين والإعلاميين لتجاوزهم بعض الأدبيات الرياضية المعروفة. وحرصاً على أن تظل الرياضة عنواناً جميلاً يتوقف عنده الجميع ولا سيما أن الرياضات والألعاب المتنوعة وجدت لغاية نبيلة وسامية فهي ليست مجرد حركات جسدية أو نتائج تسجل في سجلات بل هي منهج لبناء الأجسام وقوة الأبدان، وتجسيد حي لمقولة الحكماء: (العقل السليم في الجسم السليم). لقد أُسست الأندية والفرق الرياضية في الأصل لتكون مكاناً آمناً لإشغال وقت الشباب فيما يعود عليهم بالنفع وملتقى لتعليمهم قيم المنافسة الشريفة والصبر على الهزيمة وتقبلها بصدر رحب والتواضع عند الفوز. ولكن ما الذي حدث؟ وكيف تحولت الملاعب التي كان ينبغي أن تكون مدارس للأخلاق إلى ساحات للخصومة؟
لقد أوجد بعض الناس ما يعرف بـ (التعصب الرياضي) وهو داءٌ بدأ بتغذية الميول بصورة جميلة ومقبولة ثم انحدر تدريجياً إلى (تعصب ممقوت) تجاوز كل الحدود. تحول التشجيع إلى سب وقذف والمنافسة إلى خصومات شخصية والصداقات التي بناها الشباب لسنوات إلى عداءات تُكسر بسببها القلوب، وتُلقى من أجلها الكلمات والعبارات غير اللائقة. ولم يتوقف ضرر التعصب عند الكلمات النابية والخصومات الاجتماعية فحسب بل تجاوز ذلك ليفتك بحياة الإنسان. فالإنسان حين يتعكر مزاجه واستقراره النفسي بنتيجة مباراة يجعل من جسده ساحةً للضغط والتوتر. وها نحن نشاهد ونسمع أطباء القلب والنفسية يسجلون يوماً بعد يوم حالاتٍ من ارتفاع ضغط الدم وتقلبات مستوى السكري ونوبات القلق والتوتر بل والاكتئاب الحاد وهذه كلها أمراض لا يولد بها الإنسان في غالب الأحيان بل يتسبب فيها شغف أعمى لفريق أو هزيمة مؤقته. وربما تكون المصيبة أعظم والكارثة أفدح حين يصل الأمر إلى أن يفارق الإنسان الدنيا وتصعد روحه إلى بارئها نتيجة صدمة هزيمة فريقه أو بسبب سقوطه المفاجئ في الملعب. إنها نهاية مأساوية أن يغادر الإنسان هذه الدنيا بسبب كرة أو نتيجة مباراة سيتم نسيانها بعد فترة من الوقت. هذا المشهد المأساوي ليس مجرد حالة وفاة بل هو صرخةٌ مدوية تذكرنا بأننا لسنا في الطريق الصحيح فيما يتعلق بمتابعة المباريات ونتائجها وتذكير بأن حياة الإنسان أغلى وأثمن من أن تهدر أو تختصر في تسعين دقيقة. ومن حسن الطالع أن هناك نماذج مشرفة لشخصيات راقية وجمهور واعٍ يعيدون للملعب جماله ورونقه. هؤلاء هم من أدركوا السرّ العظيم في الرياضة فعاشوها بحب حقيقي لا بهوسٍ مريض. إنهم يفرحون للفوز باعتدال فلا يطيش بهم الفرح إلى الاستعلاء ويتألمون للهزيمة بأدب فلا ينقلب ألمهم إلى عدوان. ينظرون إلى الملعب بعين المحلل المحايد، يقدرون اللعبة الجميلة أينما وجدت، ويصفقون للإبداع حتى لو كان بقميص الخصم. إنهم بحق أولئك القوم الراقون في تفكيرهم الذين جعلوا من الرياضة متنفساً يصفون به أذهانهم. والحقيقة أن الحديث عن معالجة التعصب يتطلب إعداد برامج توعوية تثقيفية من خلال محاضرات وحلقات نقاشية وورش عمل يشترك الشباب أنفسهم في إعدادها وتنظيمها ويقدمها أشخاص من ذوي الأهلية والكفاءة تتناول هذه البرامج الرياضة بجوانبها المختلفة وكيف يكون المرء شغوفاً بمتابعة الألعاب بصورة راقية وحضارية، على أن يتم تقديم هذه البرامج في المدارس لتأسيس النشء، والجامعات والنوادي الرياضية لزيادة الوعي. ومما ينبغي إدراكه وفهمه أن الفرق الرياضية ربما ستزول والأندية ستتغير والنتائج ستنسى وستستمر المنافسات الرياضية في كل عام ولن يظل إلا ما سيكتب في ذاكرة التاريخ وفي صحائف الأعمال إلا أخلاقنا وقيمنا الحميدة. فلنحرص على الارتقاء بالرياضة إلى غايتها النبيلة ولنعلم شبابنا أن الفوز الحقيقي ليس في رفع الكؤوس بل في الحفاظ على القلوب وصون اللسان وصحة الأبدان واحترام الآخر. والرياضة في نهاية الأمر تهذب الأخلاق وتبني الشخصية القوية.
والله من وراء القصد.

