المقالات

بين لقب الأستاذ والدكتور.. ينكشف جهل المسؤول!

من أكثر الأمور التي تستوقف الإنسان في بعض المؤسسات الأكاديمية والتعليمية أن يجد نفسه أمام خلط واضح بين «الدرجة العلمية» و«الرتبة الأكاديمية» و«المسمى الوظيفي»، حتى يصبح التفريق بينها أمراً يحتاج إلى توضيح، رغم أن لكل واحد منها دلالته وشروطه ومساره المختلف. والأكثر غرابةً أن يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى شرح هذا الفرق لأشخاص يُفترض بحكم مواقعهم العلمية والتعليمية أن تكون هذه المفاهيم من صميم معرفتهم، وأن يكونوا هم الأقدر على توضيحها للآخرين، لا أن يجدوا أنفسهم بحاجة إلى من يلفت نظرهم إليها. والمفارقة أن هذا الالتباس لا يأتي من عامة الناس، وإنما قد يصدر أحياناً عن مؤسسة يفترض أن تكون من أكثر البيئات إدراكاً لقيمة العلم وألقابه ومصطلحاته. فدرجة الدكتوراه ليست مسمى وظيفياً تمنحه جهة العمل لموظفها، وإنما درجة علمية يحصل عليها الإنسان بعد سنوات من الدراسة والبحث والمناقشة واستيفاء متطلبات أكاديمية محددة في جامعة معترف بها. أما «أستاذ مساعد» و«أستاذ مشارك» و«أستاذ» فهي رتب أكاديمية لها شروطها ومساراتها وضوابطها، ولا يجوز لمن لم يُمنح إحداها أن يستخدمها لمجرد حصوله على الدكتوراه. وكذلك فإن «مدير» و«باحث» و«مستشار» و«معلم متقدم» وغيرها، هي مسميات وظيفية تعبر عن الوظيفة التي يشغلها الشخص داخل المؤسسة.

وبالتالي، يمكن أن تجتمع هذه الأوصاف في شخص واحد دون أي تناقض؛ فقد يكون الشخص حاصلاً على درجة الدكتوراه، ويشغل وظيفة «معلم متقدم»، ويكون في الوقت نفسه عضواً في هيئة التدريب، دون أن يعني ذلك إطلاقاً أنه يدعي أنه «أستاذ مساعد» أو «أستاذ مشارك». ولعل أبسط مثال على ذلك ما نراه في بعض المؤسسات العسكرية؛ فقد نجد على التعريف الرسمي للشخص: «النقيب المهندس الدكتور فلان»، حيث اجتمعت الرتبة العسكرية مع التخصص المهني والدرجة العلمية في تعريف واحد، ولم يرَ أحد في ذلك تضارباً أو ادعاءً لرتبة غير مستحقة. فالرتبة شيء، والمهنة شيء، والدرجة العلمية شيء آخر. ومن هنا يبرز السؤال: لماذا يصبح الأمر معقداً عندما يتعلق بحامل درجة الدكتوراه في مؤسسة أكاديمية أو تدريبية؟ إذا كان الشخص حاصلاً فعلاً على الدكتوراه، ولا يكتب بجوار اسمه «أستاذ مساعد» أو «أستاذ مشارك» أو «أستاذ»، وإنما يكتفي بوضع «د.» قبل اسمه، فما المخالفة التي ارتكبها؟

السؤال هنا ليس مطالبة بمنصب، ولا محاولة لاكتساب رتبة أكاديمية لم تُمنح، ولا التفافاً على المسمى الوظيفي. إنها ببساطة إشارة إلى درجة علمية حصل عليها صاحبها بجهده ووقته وماله، وأصبحت جزءاً من مؤهلاته العلمية. والأهم من ذلك أن استخدام «د.» لا يلغي المسمى الوظيفي ولا يستبدله. فمن الطبيعي أن يكتب الشخص: «د. فلان – معلم متقدم»، فيكون قد ذكر درجته العلمية من جهة، ووظيفته الرسمية من جهة أخرى. بل إن الجمع بين الاثنين أكثر دقة ووضوحاً من إلغاء أحدهما لحساب الآخر. وإذا كانت هناك لائحة أو تعليمات تمنع استخدام «د.» على اللوحات التعريفية، فالسؤال البسيط الذي يستحق إجابة واضحة هو: أين هذه اللائحة؟ وما نصها؟ وهل تنص صراحةً على أن استخدام «د.» مقصور على من يشغلون رتبة أكاديمية معينة؟ وهل تطبق هذه القاعدة على جميع حملة الدكتوراه دون استثناء؟ أما أن يتحول الأمر إلى اجتهاد شخصي أو إلى عبارة من قبيل «هكذا هي التعليمات»، فهذا لا يكفي في مؤسسة يفترض أن تعمل وفق الأنظمة واللوائح، لا وفق الانطباعات الشخصية. فكلما كان القرار يمس مؤهلاً علمياً أو تعريفاً مهنياً، كان من الطبيعي أن يكون له سند تنظيمي واضح يمكن الرجوع إليه.

والأغرب أن المسألة ليست حالة فردية تخص شخصاً بعينه؛ فهناك حالات أخرى مماثلة داخل المؤسسة نفسها، حصل أصحابها على درجات علمية مماثلة، ومع ذلك مُنعوا هم أيضاً من إثبات لقب «د.» على لوحات مكاتبهم. وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد لقب يوضع على باب مكتب: ما الأساس التنظيمي الذي يحرم حامل درجة الدكتوراه من الإشارة إلى درجته العلمية؟ فإذا كانت القاعدة تمنع الجميع، فالمطلوب معرفة سندها النظامي وسببها، لا الاكتفاء بعبارة «هذه هي التعليمات».

وهنا تظهر مفارقة أخرى تتعلق بترتيب الأولويات الإدارية. فقد تنشغل بعض الإدارات الخدمية بمتابعة اللوحات التعريفية على أبواب المكاتب، وتغيير الأسماء والألقاب وملاحقة تفاصيلها، وكأن القضية الإدارية الكبرى التي تستحق الوقت والجهد هي: ماذا نكتب على الباب؟ وفي المقابل، قد تكون هناك قضايا أكثر التصاقاً بجوهر بيئة العمل وراحة الموظفين، مثل النظافة والصيانة وتهيئة المرافق وضبط درجة التبريد بما يتناسب مع صحة العاملين واحتياجاتهم. وهنا تصبح المفارقة لافتة: قد تتعثر معالجة بعض المشكلات اليومية التي يلمسها الموظف كل يوم، بينما توجد قدرة فائقة على ملاحقة حرف أو لقب مكتوب على باب مكتب! وهنا لا يعود السؤال: من هو الدكتور ومن هو الأستاذ؟ بل يصبح السؤال: كيف نرتب أولوياتنا الإدارية؟ وهل أصبحت اللوحة على الباب أهم من الإنسان الذي يعمل خلفها؟

لقد أمضى كثير من الناس سنوات طويلة في طلب العلم، وتحملوا مشقة الدراسة والبحث والاختبارات والمناقشات، وبعضهم فعل ذلك بالتوازي مع مسؤولياته الوظيفية والأسرية. ومن غير المنطقي بعد كل ذلك أن يصبح وضع «د.» أمام الاسم قضية تستحق المطاردة، بينما يفترض أن يكون الاهتمام الأكبر بما يقدمه صاحب هذا المؤهل من علم وخبرة وعطاء للمؤسسة. إن المؤسسات الأكاديمية والتدريبية لا ينبغي أن تنظر إلى الدرجات العلمية باعتبارها مجرد ألفاظ تضاف إلى الأسماء أو تحذف منها وفق اجتهادات إدارية. فاحترام العلم يبدأ من احترام مفاهيمه ومصطلحاته، والتمييز بين الدكتوراه والرتبة الأكاديمية والمسمى الوظيفي ليس ترفاً لغوياً، وإنما هو جزء من الدقة المهنية التي يفترض أن تتحلى بها المؤسسات المعنية بالتعليم والتدريب. ولا يعني هذا أن كل من يحمل الدكتوراه يستحق تلقائياً أن يكون «أستاذاً مساعداً» أو «أستاذاً مشاركاً»، فلكل رتبة أكاديمية شروطها وضوابطها ومسارها النظامي. لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول عدم شغل رتبة أكاديمية معينة إلى مبرر لمحو الدرجة العلمية نفسها أو منع صاحبها من الإشارة إليها، ما لم يوجد نص تنظيمي واضح يقول بذلك.

ولعل المفارقة الجديرة بالتأمل أن المؤسسة نفسها قد لا تجد حرجاً في التعاقد مع أشخاص من خارج الدولة يحملون درجات علمية من جامعات عربية محلية في بلدانهم، وهي جامعات تحظى بكل التقدير والاحترام، ولا ينبغي الانتقاص من مكانتها لمجرد وجودها خارج الحدود. فإذا كانت الشهادة العلمية مقبولة عند التعاقد مع القادم من الخارج، فلماذا تصبح الدرجة العلمية نفسها موضع تحفظ عندما يحملها موظف وطني داخل المؤسسة؟ وهنا تحضرني الحكمة الشعبية » :زامر الحي لا يطرب .«فهل تكمن المشكلة أحياناً في الشهادة، أم في حاملها، أم في أن المؤسسة اعتادت تقدير ما يأتيها من الخارج أكثر مما تقدّر من نشأ وتعلم وعمل داخلها؟ وإذا كانت بعض الجامعات العربية قد اكتسبت شهرة جعلت أسماءها جزءاً من الذاكرة العلمية، فهل نحتاج نحن أيضاً إلى الانتظار حتى يصبح اسم إحدى جامعاتنا السعودية «عين نجم» جديدة، حتى نقتنع بأن خريجها يستحق التقدير؟ أم أن قيمة الشهادة ينبغي أن تُقاس بالاعتماد الأكاديمي، وجودة البرنامج، ومستوى التحصيل، لا بمسافة الجامعة عن المؤسسة التي يعمل فيها حاملها؟

المسألة، في نهاية المطاف، ليست متعلقة بجامعة أو جنسية أو لقب يُوضع أمام الاسم، وإنما بمعيار موحد ينبغي تطبيقه على الجميع. فحين تكون الشهادة جديرة بالاحترام عندما يحملها القادم من الخارج، فلا ينبغي أن تصبح أقل قيمة عندما يحملها موظف وطني أفنى سنوات من عمره في خدمة المؤسسة. والأكثر إثارة للاستغراب أن تنشغل مؤسسة علمية بحذف «د.» من باب مكتب، بينما قد تحتاج هي نفسها إلى إعادة «الدال» إلى معنى الدقة في تطبيق المعايير، وإلى معنى العدل في التعامل مع المؤهلات، وإلى معنى الدراية بالتمييز بين الدرجة العلمية والرتبة الأكاديمية والمسمى الوظيفي. فالمؤسسة التي تنشغل بالتفاصيل الإدارية الصغيرة يفترض أن تكون أكثر حرصاً على ترتيب أولوياتها، وأن تمنح ما يمس بيئة العمل مباشرةً من نظافة وصيانة وتهيئة للمرافق ما يستحقه من اهتمام، باعتبارها من صميم مهام الخدمات المساندة، بدلاً من استنزاف الوقت والجهد في متابعة لقب علمي على لوحة مكتب. وعندها لن يكون السؤال: من كتب «د.» على باب مكتبه؟ بل: لماذا مُنعت درجة علمية ثابتة من أن تُكتب، وعلى أي معيار استند هذا المنع؟

لدغة ختام:
«أحياناً يكون الجهل نعمة، عندما يصبح الغباء فناً»؛ فالمشكلة ليست في أن يجهل الإنسان شيئاً، وإنما في أن يصرّ على تطبيقه تطبيقاً خاطئاً، على طريقة «عنز ولو طار»، ثم يحوّل هذا التطبيق إلى «تعليمات» لا يُعرف لها مصدر.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى