ثلاثون عاما قضاها عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود يجاهد لاستعادة ملك آبائه الذي أشرق في قلب الجزيرة العربية ثم انطلق ليبلغ أقصى شمالها وأقاصي جنوبها، ويسود شرقها وغربها ذلك الملك الذي بُني على أساس من التوحيد الخالص والعقيدة النقية والعدل.
وبتوفيق الله استطاع ذلك الرجل الاستثنائي ذو الهمَّة العالية والغايات النبيلة السامية أن يَبْلُغَ أهدافه.. فجمع شتات القبائل، وألَّفَ قلوب الساكنة في البوادي والحواضر.. ليُشْرِقَ في جزيرة العرب يومٌ ليس كسائر الأيام، ويُومِضَ في غدها أملٌ ليس كسائر الآمال.. وكان ذلك فضلا من الله تعالى الذي إذا أراد أمرا يسَّرَ السبيل إليه! فلم تكن الطريق ممهدة لبلوغ هذا اليوم؛ وإنما سبقته أيام قاسية تُرْعِدُ بالهَوْل، وليال طويلة هواديها خُطوبٌ بالغة، وأواخرها تضحيات غالية..!
وما لبثت بروق الآمال حتى لمعت تباعا، فانصدع ظلام الجهل، وتبددت مخاوف الفُرْقَة، واجتمع الشمل، واستبان الطريق الذي كان مُبْهما!
“عند الصباح يحمد القوم السُّرى”
وكانت مشيئة الله تعالى أن يكتب لذلك الجهاد الصابر خلال ثلاثة عقود الظَّفَر والنَّصْر المؤزَّرَ.. ففي يوم الخميس الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة 1351 من الهجرة الشريفة المصادف للثالث والعشرين من سبتمبر سنة 1932 من الميلاد، أعلن مؤسس هذه البلاد ــ المغفور له بإذن الله ــ الملك عبدالعزيز آل سعود توحيد أجزاء هذه الكيان الكبير تحت اسم “المملكة العربية السعودية” لتصبحَ دولة عربية ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ولُغتها العربية، وعاصمتها الرياض ودستورها القرآن والسنة النبوية المطهرة. وحَمِدَت هذه البلاد سُراها الطويل وضمَّدَت جراحها الدامية، وكمَّدت جفونَها القريحة.. ولولا ذلك الليل الطويل الحالك، وتلك الأيام الشِّداد، ما أسفر هذا اليوم الباسم الضاحك!
وها نحن نعيش الاحتفاء باليوم الوطني الــ 96 ونقول للوطن الغالي:
“في يومكَ الوطني سِفْرُ بطولة يتلو على الأجيال أمجاد الكرام”
ستة وتسعون عاما على توحيد بلاد التوحيد.. فما أزهى نفوسنا بهذه المناسبة! وما أبهج قلوبنا بما تحقق لهذا الوطن الكريم من العمارَة والمكانة..! فقد بنت المملكة العربية السعودية بفضل الله ثم بحكمة ورؤية قادتها الكرام جيلا بعد جيل، وإخلاص أبنائها وصادق ولائهم وصفو انتمائهم، بنت حضارة بمفهوم الحضارة الحقِّ، رسَّخت السُلوك القويم، وأبهرت الدنيا بالمنجزات الرائدة في كل مجال.. حتى غدت اليوم منارة للدنيا، وقبلة للعالم في العلوم والمعارف والتقانة.. ومركزا ثابتا للقرار المستنير الحكيم.. وغدا أبناؤها ينافسون على الصدارة، ويتصدرون المشهد في كل المحافل.. وما ذلك بعد توفيق الله إلا بالعزيمة الصادقة والطموح الخلاق الذي صنعته حكمة القيادة الرشيدة وعززته في وجدان إنسان هذه البلاد، ليُدرك بالأفعال قبل الأقوال بأنه هو وحده الأساس في البناء والتنمية، وأن المستقبل إنما يُرسَمُ بقدرته على اكتساب المعرفة وصناعتها.. وقد كان المواطن في بلادنا أعزها الله ولا يزال هو المقدَّم على كل شيء.. فهذا هو نهج ولاة أمورنا أيدهم الله منذ عهد الملك المؤسس وحتى يومنا هذا، وغدنا الزاهر الذي نتطلع إليه.
ونحن إذ نحتفي بيومنا الوطني الذي تُشْرقُ علينا شمسه في كل عام، فإنما نذكر نعمة الله علينا أن جعلنا أبناء وطن عزيز شامخ هو المملكة العربية السعودية، ونذكر لأبنائنا ونشئنا كيف بُنيَ هذا الوطن لبنة لبنة بسواعد الآباء والأجداد، الذين بذلوا ذوب النفس وطيب الوقت، وأخلصوا الجهد وصدقوا في العطاء، فتحقق الأمنُ وعمَّ الرخاء..
اليوم ننظر كيف يضطرب العالم من حولنا، ونشاهد ما تعيشه المنطقة من أحداث.. ونرى بلادنا تقود زمام المبادرات، لا تشغلها النزاعات عن قضايا أمتها الكبرى، ولا تصرفها عن مشروعاتها التي تخدم أبناءها والمقيمين على ثراها.. وتُبْهرُ العالمَ بعزمها وحزمها، وثبات قيمها، وصلابة مواقفها في الحق، وتقدُّم خطواتها في التنمية والبناء..
“وطن بحجم مجرَّة أعباؤُه وعلى خمائل كفِّه يغفو الأنام”!
فاللهم احفظ على بلادنا أمنها وأمانها، وبارك في ولاة أمرها، واجزهم عنا خير الجزاء
والحمد لله الذي كفانا وآوانا في بلادنا أعزها الله.






