كتاب الرأي

القوة بميزان الدولة.. إيقاع الخصوم لا يستعار

الدولة لا تتعامل مع المقدرات والمكتسبات باعتبارها أهدافًا قابلة للأذى في معارك مفتعلة معلومة الغاية، بل لا تنظر إلى منشآتها واقتصادها وأمنها ومجتمعها باعتبارها أوراقًا يمكن التضحية بها. فالدولة تعرف حجم ما تملك، وتعرف في الوقت نفسه حجم ما يجب أن تحافظ عليه، فهي لا تستعير إيقاع خصومها، ولا تنظر إلى القوة كوسيلة للتباهي واستعراض القدرة، ولا تعتبرها فرصة لاتخاذ ردود فعل متعجلة غير محسوبة بمعايير المكاسب والخسائر. وبالمقابل، لا تسقط احتمال توظيفها إذا لزم الأمر، وسيكون الحال موجعًا إذا تم ذلك. ولهذا يصبح الصبر جزءًا من الحِلم والحكمة والقوة، بعكس الميليشيا التي لا تملك ما تخسر، لأن مشروعها قائم في الأصل على مغامرة ذات أهداف ساقطة، مرتهنة بالهيمنة، بغض النظر عن الشعارات المضللة والأكاذيب المكشوفة.
امتلاك القوة لا يعني ضرورة استخدامها بمنطق الدولة في الطريقة التي يتوقعها الخصم، وإن كانت ميليشيا ليست ندًا لدولة، أيًا كانت هذه الدولة، بل يعني أن لدى الدولة خيارات أوسع من تلك التي تحكم حركة إرهابية مسلحة خارجة عن القانون وغير معنية بما دون الاشتباك وتحقيق رغبة امتلاك السلطة. وفيما تظل النتيجة محور اهتمام الدولة، ويظل التصعيد خيارًا ضمن خيارات متعددة تُقاس نتائجه قبل الإقدام عليه، يبقى التصعيد غاية في حد ذاته بالنسبة إلى المنظمات الإرهابية التي لا تملك من مقومات الدولة سوى الرغبة في استمرار التوتر باعتباره وسيلة لإثبات الحضور، وإعادة إنتاج الخطاب، وتعليل الاستمرار، وإيجاد مبرر للبقاء. فالدولة دائمًا تفكر بمنطق المسؤولية، كونها معنية بما يجب أن يبقى قائمًا سالمًا لا يتأثر بالمواجهة، فيما تفكر الميليشيا غالبًا بمنطق المهمة، بهدف استمرار المواجهة باعتبارها مبررًا وجوديًا. لذلك، لا ينبغي تجاهل طبيعة الفارق بين الطرفين، فالدولة معنية بالقوانين والمرجعيات، وتأخذ في الاعتبار عدم الانجرار للاستفزاز بما يحقق رغبات الخصم بتحديد زمن ومكان المعركة، وتؤمن بأن ضبط النفس حكمة لا تعني الضعف، وأن امتلاك القوة لا يعني ضرورة التعجل في استخدامها. وهو ما يؤكد أن ثقل الدولة قائم على أفق التفكير بثمن القرار واستنزاف الخصم، وأن أهمية القوة كامنة في القدرة على صيانة المكتسبات قدر الإمكان، خاصة إذا كان العدو لا يملك ما يخسر أو ما يمكن استهدافه على الإطلاق، كما هو حال ميليشيا الحوثي الإرهابية، التي اتخذت من الكهوف مخابئ لقادتها، ومن الأبرياء دروع بشرية وحصرت أهدافها بتدمير البنى التحتية في اليمن قبل السعودية، وتفرغت للتركيز على تدمير المكاسب والأعيان المدنية، وزعزعة الاستقرار، وتقويض الرخاء والرفاه، تعزيزًا لأحلام عقائدية موغلة في كراهية غير مبررة.
لا شيء يمكن استهدافه في اليمن على الإطلاق، عدا مساجين وأجساد بعضها يسبح بالجهل تحت عباءة التغرير، غارقًا في مستنقع الوهم، مستسلمًا لمشروع بغيض، فأصبحت أدوات قابلة للحرق عبر مشروع الحرس الثوري الإيراني، المتربص بالعروبة والإسلام منذ عقود، والنموذج الحقيقي لهيئة وشكل الميليشيا الضخمة التي فرّخت مجموعة من الميليشيات الغارقة بالجهل في العديد من العواصم العربية، بغفلة من الزمن، مع شديد الأسف.

لعلنا نختصر بالإشارة إلى إنجاز الشعب السوري الشجاع، الذي اصطف كالبنيان المرصوص بعد تآلف القلوب وعزيمة التحرر، فنفض عار الخزي ودحر رجس الحرس الثوري الذي عاث في الأرض فسادًا بمساعدة أعوانه، حيث طهّر السوريون البلاد والعباد في فترة زمنية وجيزة، تجسيدًا لرغبة صادقة أثمرت اتحادًا شعبيًا بلا نظير، بما حقق الأمل المنشود، لتبدأ مرحلة نماء وتطور ونهضة لاحت في أفق واقع دمشق المعاش سريعًا. ولا شك أن اليمن العصي على الخضوع لمشروع الحرس الثوري الإيراني ووكلائه في طريق استعادة أمنه واستقراره عاجلًا غير آجل، عبر رجاله العازمين على الخروج من نفق كهنوتي مظلم بائس، أدى إلى ما تعيشه اليمن من تناقضات.

@m_a_johani

محمد عودة الجهني

إعلامي- كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى