الثقافيةالحرمين الشريفينالمجتمع

د. عبدالله محمد أبكر يصدر كتابه الجديد «خياط في مكة»

قراءة وجدانية في مقتنيات الأب تستعيد ذاكرة الحرفة المكية وقيم الوفاء والبر وأخلاق الآباء

صدر حديثًا للكاتب والباحث في التاريخ المكي الدكتور عبدالله محمد أبكر كتابه الجديد «خياط في مكة.. تأملات في نزرٍ من مقتنيات أبي»، في إصدار يستحضر من خلال مقتنيات شخصية محدودة سيرة أبٍ امتهن الخياطة في مكة المكرمة، وترك أثرًا يتجاوز المهنة إلى منظومة من القيم والمبادئ والأخلاق.
ولا يتوقف الكتاب عند الحديث عن الخيط والإبرة أو تفاصيل حرفة الخياطة، بل يتخذ منها مدخلًا إلى استعادة خيط الذاكرة الذي يربط الابن بأبيه، ويربط الإنسان بمكانه وبيئته الاجتماعية. فمن خلال أشياء بسيطة احتفظت بها الذاكرة، يفتح المؤلف نوافذ على زمن مكي اتسم ببساطة العيش، ونبل العلاقات، والاعتزاز بالحرف الأصيلة.
ويقدّم أبكر في كتابه قراءة وجدانية لمقتنيات والده، محاولًا الكشف عما تختزنه من دلالات إنسانية وتاريخية. فكل قطعة لا تظهر بوصفها غرضًا ماديًا فحسب، بل باعتبارها شاهدًا على مرحلة زمنية، وامتدادًا لسيرة رجل خاط الثياب بيديه، وخاط في الوقت نفسه القيم في سلوك أبنائه وأسرته ومحيطه.
ويستعيد الكتاب حضور الخياط المكي بوصفه جزءًا من الذاكرة الاجتماعية للمدينة، حيث كانت الحرفة مصدر رزق وموضع ثقة، وكانت العلاقة بين صاحب المهنة وأهل الحي تقوم على المعرفة والاحترام وحفظ العهد. ومن هذه الزاوية، تتحول قصة الأب إلى توثيق غير مباشر لجانب من الحياة اليومية في مكة، بعيدًا عن السرد الرسمي، وقريبًا من تفاصيل الناس ومهنهم وذكرياتهم.
ويأتي الإصدار الجديد امتدادًا لاهتمام عبدالله محمد أبكر بتاريخ مكة وتراثها الاجتماعي؛ فهو من مواليد مكة المكرمة عام 1387هـ، وله إسهامات سابقة في توثيق الذاكرة المكية، من بينها كتاب «صور من تراث مكة المكرمة في القرن الرابع عشر الهجري»، الذي صدر في طبعة منقحة ومزيدة في جزأين تجاوز مجموع صفحاتهما ألف صفحة، إلى جانب كتاب «حارات مكة».
ويمنح «خياط في مكة» الذاكرة العائلية بعدًا ثقافيًا أوسع، إذ يحوّل سيرة الأب ومقتنياته إلى مادة تستعيد ملامح زمن ومدينة وحرفة. كما يبرز قيمة الوفاء للأجيال السابقة، والحرص على حفظ آثارهم وتجاربهم من النسيان، بما يجعل الكتاب أقرب إلى شهادة محبة وبرّ، وإلى وثيقة إنسانية عن الأب المكي الذي جمع بين إتقان الصنعة وتهذيب السيرة.
ويتوافر الكتاب عبر متجر «قبلة الدنيا»، المتخصص في الإصدارات المرتبطة بالتراث السعودي وتراث مكة المكرمة، والذي يقدّم الكتاب تحت عنوان «خياط في مكة».
وبهذا الإصدار، يواصل عبدالله محمد أبكر مشروعه في الاقتراب من مكة من خلال تفاصيلها الصغيرة؛ فالحارات والمقتنيات والمهن والعبارات الشعبية تتحول في كتاباته إلى مفاتيح لفهم المدينة وأهلها، وإلى جسور تصل الحاضر بماضٍ ما تزال قيمه حاضرة في الذاكرة.

عاطف هوساوي

مكة المكرمة - محرر صحفي ومصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى