ليست كل راية ترفع باسم الحرية تقود إليها، وليست كل مطالبة تتدثر بعباءة التحرر تعني بالضرورة انتصارا لحقوق المرأة، فهناك فرق شاسع بين المطالبة بحق يرفع عن المرأة مشقة الحياة، وبين التدخل في قناعاتها الشخصية، ومحاولة إعادة تشكيل هويتها وفق أهواء الآخرين.
في تسعينيات القرن الماضي، حين ارتفعت الأصوات المطالبة بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة، كان جوهر القضية مرتبطًا باحتياج اجتماعي ومعيشي، يمس تفاصيل حياتها اليومية، وتنقلاتها، وقدرتها على إدارة شؤونها باستقلالية. وقد تحقق هذا المطلب لاحقًا، فأصبحت المرأة تقود سيارتها وتمارس هذا الحق وفق الأنظمة.
أما اليوم، ومع تصاعد بعض الأصوات النشاز المطالبة بخلع النقاب، فإننا نقف أمام قضية مختلفة في طبيعتها وأبعادها، فالقيادة وسيلة لتيسير الحياة، أما النقاب، في نظر من ترتديه عن إيمان وقناعة كما أنا، تعبير عن التزام ديني وقيمة راسخة وخيار شخصي لا يجوز مصادرته باسم الحرية.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق التأمل: هل الحرية أن تختار المرأة ما تؤمن به، أم أن يختار لها ما ينبغي أن تكون عليه؟
إن المرأة التي ترتدي نقابها عن قناعة لا تنتظر من أحد أن يحررها من قرار اتخذته بإرادتها، ولا تحتاج إلى من يقنعها بأن وجهها المحجوب يحجب عقلها، أو أن سترها يحول بينها وبين الإبداع والإنجاز.
فمتى كان النقاب عائقا أمام التفكير؟ ومتى كان الستر نقيضا للوعي؟ وهل تصبح المرأة أكثر علما، وأعمق ثقافة، وأوسع أفقا بمجرد أن تكشف وجهها؟
فالعقل لا يستمد نوره من ملامح الوجه، والإبداع لا يحتاج إلى كشف الملامح حتى يثبت حضوره. وكم من امرأة صنعت أثرا عظيما، وقدمت علما وفكرا وعطاء، دون أن تتنازل عن قناعاتها أو تستبدل هويتها برغبات الآخرين، والأمثلة كثيرة وظاهرة للعيان.
ومن الإنصاف، في المقابل ألا نختزل جميع النساء في موقف واحد من النقاب، فالمسألة تتصل كذلك باختلاف القناعات والاجتهادات الدينية والخيارات الشخصية. لكن جوهر القضية هنا هو رفض تحويل الحرية إلى وصاية جديدة، تمارس على المرأة تحت شعار تحريرها.
فأي حرية تلك التي تبدأ بالمطالبة بحق الاختيار، ثم تنتهي بمصادرة الاختيار نفسه؟
وما يثير التساؤل في بعض الخطابات المعاصرة ليس مجرد الدعوة إلى كشف الوجه، وإنما النزعة التي تجعل من التخلي عن المظاهر الدينية معيارا للتقدم، وكأن المرأة لا تدخل العصر الحديث إلا إذا خرجت من عباءة قناعاتها.
في الواقع ومن وجهة نظري الخاصة حين تتحول المطالبة بالحرية إلى سلسلة من الإملاءات على المظهر واللباس والسلوك، يحق لنا أن نتساءل: أين تقف حدود هذه المطالبات؟ وهل الغاية توسيع مساحة الاختيار، أم فرض صورة واحدة للمرأة بحجة أن تكون عنوانا للتحرر؟
وغاب عن أصحاب تلك الأيدولوجيات المزيفة إن المرأة ليست مشروعًا مفتوحًا لإعادة التشكيل كلما تبدلت الاتجاهات، وليست ساحة يتنازعها دعاة المحافظة ودعاة التغيير. بل هي بكامل أهليتها، ومن حقها ألا تتحول إلى نسخة يعاد صياغتها.
والحقيقة الغائبة عن وعي البعض أن أخطر ما في هذه الشعارات البراقة أنها تبيع الوهم، حين توحي بأن السعادة كامنة في التخلي عن القناعات، وأن التحرر يبدأ من المظهر، بينما قد تكون الحرية الحقيقية في الثبات على ما نؤمن به، بعيدًا عن الإكراه والإملاء.
فالمرأة التي تختار نقابها عن إيمان لا تعيش بالضرورة خلف جدار من العزلة وأنا إحداهن واتحدث من واقع، بل تجد فيه طمأنينتها وراحتها النفسية، وتراه سياجًا يحفظ خصوصيتها، وتعبيرًا صادقًا عن قيمها ومبادئها.
لسنا بحاجة إلى حرية تنتزع من المرأة ما اختارته، ثم تقنعها بأنها أصبحت أكثر تحررًا. ولسنا بحاجة إلى وصاية جديدة ترتدي ثوب الحداثة، بعدما ظللنا طويلًا نرفض الوصاية بكل أشكالها.
نحن بحاجة إلى وعي يميز بين الحق والاختيار، وبين التمكين والإملاء، وبين احترام المرأة ومحاولة صياغتها وفق مقاييس غيرها.
وأخيرًا…
ليس السؤال: لماذا لا تخلع المرأة نقابها؟
بل السؤال الأجدر بالطرح:
لماذا يُراد للمرأة أن تتخلى عن قناعتها حتى يُعترف بحريتها؟
فالحرية التي لا تحترم حق الإنسان في التمسك بمبادئه، ليست حرية مكتملة، وإنما وصاية غيّرت اسمها، واحتفظت بجوهرها.
• “بنت الريف”





