ثمة مشاعر تنمو في صمت، وتترسخ في الوجدان مع تعاقب الأيام، حتى تأتي المواقف فتمنحها صوتًا وصورة. وحين يتحدث الوفاء، تتكشف حكايات من المحبة صنعتها الأفعال وحفظتها القلوب.
وقد تجلّى لي شيءٌ من ذلك في صورةٍ استوقفتني، وأثارت في نفسي الدهشة والتأمل؛ علمٌ سعوديٌّ يرفعه من لا يحمل جنسية هذا الوطن، وكلماتٌ تنبض بالوفاء يكتبها من تفصله عن أرضه آلاف الأميال. ثم توالت أمامي الصور والعبارات والمواقف، حتى وجدتني أمام سؤالٍ أخذ يستبدّ بتفكيري: ما الذي يجعل إنسانًا يدافع عن وطنٍ غير وطنه، ويغضب لأجله، ويستبشر بمنجزاته، وكأن بينه وبين هذه الأرض عهدًا قديمًا؟ أدركتُ حينها أن وراء هذه المشاعر حكايةً عميقة، كتبت فصولها المملكة العربية السعودية بمواقفها، وحفظتها الشعوب في ذاكرتها.
وحين تأملت تلك المشاهد التي تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي، وجدت فيها شيئًا من ذاكرة الشعوب، وصورًا من الوفاء الذي تستحضره المواقف. تعددت الجنسيات، واختلفت اللهجات، والتقت المشاعر حول المملكة، في مشهد يدعو إلى التأمل في سر هذه المكانة التي امتدت من أرضها إلى قلوب بعيدة، وجمعت على محبتها أناسًا تباعدت أوطانهم وتنوعت ثقافاتهم.
ولعل الإجابة تسكن في تاريخ طويل من المواقف التي حضرت فيها المملكة إلى جانب أمتها العربية والإسلامية، تمد يد العون حين تشتد المحن، وتساند المحتاج حين تضيق السبل، وتسعى إلى جمع الكلمة وإطفاء نار الخلاف. وقد تركت هذه المواقف في ذاكرة الشعوب أثرًا عميقًا؛ فالمعروف حين يصل إلى الإنسان في لحظة حاجته يتحول إلى ذكرى تسكن وجدانه، وتنمو مع الأيام حتى تصبح محبةً ووفاءً.
ومن يتأمل سيرة المملكة منذ توحيدها على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، يدرك أن عنايتها بمحيطها العربي والإسلامي امتداد لقيم أصيلة قامت عليها هذه البلاد، واستمدتها من دينها ومكانتها ورسالتها. فالحرمين الشريفين اللذين تهفو إليهما أفئدة المسلمين، وما تبذله المملكة في خدمتهما ورعاية قاصديهما، يمثلان صلة روحية عميقة تجمعها بملايين المسلمين، وتمنح حضورها في وجدانهم مكانة راسخة.
وعلى هذه الأرض تتجدد حكايات المحبة في حياة أناس قدموا من بلدان شتى، يحملون أحلامهم وآمال أسرهم، فوجدوا في المملكة فرصًا للعمل، وأسبابًا للاستقرار، ومجتمعًا يشاركهم تفاصيل الحياة. هنا كبر أبناؤهم، وتشكّلت صداقاتهم، وامتدت سنوات أعمارهم، حتى أصبحت شوارع المدن وأحياؤها وأماكنها جزءًا من ذاكرتهم. ومع تعاقب الأيام، نمت مشاعر الألفة والامتنان، وأصبح أمن المملكة موضع اهتمامهم، وازدهارها مصدر فرحهم، ومستقبلها حاضرًا في تطلعاتهم.
وتبلغ هذه المشاعر أصدق صورها حين تواجه المملكة تحديًا أو أزمة، فتعلو أصوات المحبين من داخلها وخارجها، وتتوالى عبارات التضامن والدعاء، وتظهر مواقف الوفاء من أناس جمعتهم بهذه البلاد تجارب إنسانية وذكريات عزيزة. ففي مثل هذه اللحظات تنكشف معادن المشاعر، وتظهر آثار المعروف الذي استقر في النفوس، وتؤكد الأيام أن الوفاء ينمو حيث يجد الإنسان الخير والأمان وحسن المعاملة.
وقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي لهذه المشاعر أن تجد طريقها إلى العلن؛ نقرؤها في كلمات الأشقاء، ونراها في صور الأعلام، ونسمعها في شهادات المقيمين، ونلمسها في مواقف التضامن. وتكشف هذه الشواهد عن رصيد من التقدير صنعته سنوات من الحضور والعطاء، وعزّزته مكانة المملكة الدينية والإنسانية والسياسية، حتى أصبحت محبتها شعورًا تتقاسمه قلوب من أوطان مختلفة.
واليوم، والمملكة تمضي في مسيرتها التنموية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، تتسع آفاق طموحها، وتتجدد صور حضورها، وتمتد جسور تعاونها مع العالم. وتواصل هذه البلاد كتابة فصول جديدة من الإنجاز والعطاء، مستندة إلى إرث من القيم والمواقف التي منحتها مكانتها في وجدان الشعوب، وجعلت اسمها مقترنًا بالأمن والاستقرار والخير.
وأعود إلى تلك الصورة التي استوقفتني أول الأمر، فأجد فيها جوابًا عن سؤال ظل يرافقني طوال هذا التأمل؛ فقد استطاعت المملكة أن تزرع محبتها في قلوب كثيرة بما قدمته من خير، وما صنعته من مواقف، وما تركته من أثر في حياة الناس. وهكذا يعود العطاء إلى أصحابه وفاءً، وتتحول الذكريات إلى مشاعر راسخة، وتبقى المواقف الصادقة حيّة في الوجدان مهما تعاقبت الأعوام.
هكذا هي السعودية؛ وطنٌ يعتز به أبناؤه، وأرضٌ أحبّها كلُّ من عاش فيها أو عرف مواقفها، فحمل لها في قلبه تقديرًا ووفاءً، وغدت محبتها حاضرةً في أحاديثه ومواقفه، شاهدةً على أن الخير الذي تزرعه الأوطان في حياة الشعوب يُثمر حبًّا يبقى أثره عبر السنين.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها وعزها واستقرارها، وحفظ قيادتها وشعبها، وجعلها على الدوام منارة خير وسلام.

