المقالات

بين حقيقة الخذلان وخيبة التوقعات

نسمع كثيرًا كلمتي «الخذلان» و«الخيبة» في نصوص الكُتّاب وأحاديث المتحدثين عبر وسائل التواصل، حتى يدفعنا تكرارهما إلى التساؤل: هل تغيّرت معانيهما بتغيّر الأجيال، أم تغيّرت طريقتنا في فهم التجارب والتعبير عنها؟ فلربما ارتبط الخذلان في أذهاننا بحدثٍ جلل، أو موقفٍ ترك أثرًا عميقًا في النفس، في حين أنه قد يتشكّل بهدوء، عبر تراكم مواقف لا تنتهي كما تصوّرنا. وحين تتكشف دلالات هذه المواقف، قد لا نكتشف خيبة توقعاتنا فحسب، بل نكتشف أن المعنى الذي منحناه للعلاقة لم يكن بالضرورة هو المعنى ذاته لدى الطرف الآخر.

تسوقنا الحياة إلى الاقتراب من أشخاص في دوائرها المختلفة؛ كالعائلة والعمل والعلاقات الاجتماعية، فنحمل إلى هذه العلاقات تصوراتنا الذهنية عن الصداقة والوفاء، والاهتمام المتبادل، والأخذ، والعطاء. وقد نفترض -دون أن نصرّح بذلك حتى لأنفسنا- أن المكانة التي نمنحها الآخرين ستنعكس لديهم بالقدر نفسه، وأن ما نعدّه بديهيًا في العلاقة بديهيٌّ لديهم أيضًا، لكن العلاقات الإنسانية لا تقوم دائمًا على معايير متطابقة، وما نراه دليلًا على القرب قد لا يعني الشيء نفسه للطرف الآخر.

ومع تراكم المواقف، يبرز سؤال: هل خذلنا الآخرون حقًا، أم أننا توقعنا ما لم يخطر لهم على بال؟ ربما لا توجد إجابة واحدة تناسب كل العلاقات؛ فثمة خذلان ينشأ من الإخلال بالثقة أو استغلالها، وثمة خيبة تتولد من اختلاف التوقعات، حين نمنح العلاقة أبعادًا لم نتأكد من أنها ذات معنى للطرف الآخر بالقدر نفسه. وبين الأمرين اختلاف؛ فلا يمكن أن نلقي بلائمة الخذلان على أنفسنا فقط، وكأننا نستحق ما نلنا فقط، أو نسقطها على الآخر فقط، فمن باب الإنصاف ينبغي ألا نبرئ الآخرين من مسؤولياتهم تجاهنا، وألا نعفي تصوراتنا من مراجعتها وتدارك ما حدث في سعيٍ لفهمه.

ولعل شيوع مفردات الخذلان والخيبة هذه الأيام جعلنا أكثر قدرة على تسمية مشاعرنا، لكنه قد يجعلنا أيضًا أسرع في تفسير المواقف من خلالها. فهل تغيّرت تجاربنا فعلًا، أم تغيرت طريقة تفسيرنا للمواقف والحكم عليها؟ وهل بالفعل تعد كل خيبة خذلان، أم أننا أحيانًا نكتشف متأخرين أننا منحنا العلاقة معنى لم يكن قائمًا فيها كما تخيلناه؟
ربما لا يعني أن نتعلّم رؤية العلاقات كما هي أن نتوقف عن التوقع أو أن نتحصّن بالريبة، أو نجعل الشك حاضرًا في كل علاقة، بل أن نميّز بين ما أظهره الآخر وما افترضناه، وبين ما خالف توقعاتنا وما أخلّ بثقتنا. فالوعي لا يضمن لنا ألاَّ نتعرض للخيبات، أو ألاَّ نتألم، لكنه قد يمنحنا فرصة لفهم ما حدث، ومراجعة ما اعتقدناه، دون أن نظلم الآخرين أو نظلم أنفسنا.

أميرة بنت ناصر الموسى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى