كتاب الرأي

خلف أبواب الرياض والمفاجأة التي أبكتني

الله أكبر.. لم يقرن رب العالمين أحداً معه بعد عبادته إلا حق الوالدين، ولم يأت ذلك من فراغ. أتذكر ليلة البارح وأنا في طريقي إلى الرياض براً موقفاً رائعاً لوالدي الغالي (رحمه الله) حيث كنت مقيماً في الرياض قبل عدة سنوات وقررت أن أسافر إلى مسقط رأسي براً. وقلت لأهلي: (لا تخبروا والدي بذلك) ولا أدري كيف وصل له الخبر فذهب إلى المطار وحجز مقعداً إلى الرياض وفوجئت به يطرق الباب. كم كانت فرحتي كبيرة للغاية، وأخذته بالأحضان، وسألته: ما الذي جاء بك يا والدي العظيم؟ قال: (وصلني خبر أنك ستأتي غداً عن طريق البر، فلم أجد بداً من المجيء لمرافقتك في رحلتك) كم أغرورقت عيناي بالدموع وأنا أتذكر هذا الموقف. وهاهي عاطفة الأبوة العظيمة التي تقارن بكنوز الدنيا ولا بمليارات الأثرياء.
وعند التأمل في قول الله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾)، ندرك أن الله سبحانه في علمه المطلق لم يضع الوالدين بجانبه عبثاً.
الله الذي خلق النفس البشرية يعلم أن الامتنان الحقيقي لا يولد إلا من (العطاء) اللامشروط. الأم التي تحمل الوهن فوق الوهن والأب الذي يسهر ويكابد ليصنع من التراب مستقبلاً هذا العطاء يتجاوز (الفطرة) ليصل إلى مرتبة (التضحية المقدسة). لذلك جعل الله شكرهما هو المقياس الأول لشكره فمن لا يشكر المخلوق الذي وهبه الحياة لن يشكر الخالق الذي وهبه الوجود.
وفي قصتي مع والدي تتجلى ظاهرة نفسية عميقة تعرف بـالتناغم العاطفي. علمياً وسبحان الله كيف يبرمج دماغ الوالدين على مدى سنوات ليكون بمثابة (راداراً) دقيقاً يلتقط أدق التغيرات لدى الأبناء وروتينهم وحتى في صمتهم. فقد قلت للأهل (لا أحد يخبره) لكن العلم يقول إن الآباء يمتلكون (استشعاراً حيوياً) لأبنائهم. الأب لا يحتاج إلى خبر ليصل إليه بل ربما تكفي فجوة صغيرة في الاتصال المعتاد، أو تغييراً في نبرة الصوت تجعل جرس الإنذار يدق في قلبه الذي لا ينام. فهو في حقيقة الأمر لم يسافر ليرافقني في الطريق فحسب بل سافر ليطمئن أن جزءاً من روحه يعبر الطريق بأمان. وفي عالم يقاس فيه النجاح بالأرقام والمليارات تأتي عاطفة الأب لتهدم كل مقاييس الاقتصاد الحديث (فالثروة العاطفية) هي المؤشر الحقيقي للسعادة والصحة النفسية. حينما يطرق والدي الباب ليقول لي: لم أجد بداً من المجيء لمرافقتك فهو لا يمنحني مجرد وقت بل يمنحني ما يعرف (بالأمان الوجودي) إن جاز التعيبر. فهو يقول لي بلغة الحب غير المعلنة: أنت لستَ وحدك في هذه الحياة أنا هنا سأكون ظلك وسأمشي معك وأرافقك حتى لو كان الطريق طويلاً. هذه اللحظة لا تشترى بمليارات الأرض لأنها تترك أثراً في (اللاوعي) يحمي الإنسان من قسوة الدنيا طوال عمره. ودموعي التي اغرورقت وأنا أستحضر هذا الموقف بعد رحيل والدي (رحمه الله)، ليست دموع ضعف بل هي استحضار ذكريات الحب العميق مع من فقدنا. هذه الدموع هي طريقة روحي في احتضان والدي من جديد هي جسر يربط بين عالم الأحياء وعالم الخالدين وتذكير لي بأنني كنت يوماً ما (عالمه كله) وأنني سأظل أحمل نوره في كل خطوة أمشيها في هذه الحياة. وهنا ربما تكمن المعجزة الحقيقية أن أعظم المدارس ليست تلك المبنية من الطوب والأسمنت بل تلك التي تبنى من الطيبة والحكمة وحسن الخلق. والدي (رحمه الله) لم يكن متعلماً أكاديمياً لكنه كان يعادل مئات المتعلمين ويستحق أكثر من دكتوراة. وفي تصوري أن ما قام به والدي يجسد أن التعليم ليس حبراً على ورق بل هو نور في القلب وثبات على المبدأ وحكمة في التصرف. لم يجلس والدي على مقاعد الدراسة لكنه كان أستاذاً بامتياز في أصعب مادة على الإطلاق (مادة الإنسانية). ومن سيرته العطرة لم أنهل مجرد معلومات بل نهلت علوم الرجال ذلك العلم الذي لا يدرس في الجامعات بل يكتسب بالاختلاط والمعايشة والملاحظة. علم الصمت حين يجب الصمت وعلم الكلمة الطيبة التي ترمم الكسور وعلم الكرامة التي لا تباع وعلم العطاء الذي لا ينتظر مقابلاً. أعظم ما في هذا الأستاذ أنه لم يكن يلقي المحاضرات، بل كان يمثّل المنهج وهذا جزء من تخصصي. عندما رأيته يتحمل المشاق من أجلي تعلمت معنى المسؤولية. وعندما رأيته يطرق بابي في منتصف الطريق ليرافقني تعلمت معنى الانتماء والأمان. وحين رأيته يعيش بقيمه رغم بساطة إمكاناته تعلمت أن الثراء الحقيقي هو ثراء النفس. لقد سار والدي على نهج أعظم معلم للبشرية، سيدنا محمد ﷺ، الذي كان أُمياًً لم يقرأ كتاباً، لكنه علم الدنيا كلها. قال ﷺ: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). ووالدي كان يحاول تجسيد هذا الحديث بشكل أو بآخر.
لقد أدرك بحكمته الفطرية أن العلم النافع هو ما ينفعك في دينك ودنياك وما يجعلك رجلاً تحترم ويقتدى ويذكر بالخير. ويحق لي أن أمنحه (دكتوراة فخرية) في الأخلاق. وهذه الشهادات لا تمنح من مجالس الجامعة بل تمنح من السماء وتختم بدموع الابن الصادق.
وأجمل برّ يمكنني تقديمه لهذا (الأستاذ العظيم) الآن، هو أن أدرك أنني لست مجرد ابنه البيولوجي، بل أنا نتاج منهجه. كل قيمة نبيلة فيّ كل درس مثمر أتعامل به مع الناس كل موقف شجاعة أو كرم أقدمه هو في الحقيقة (إمضاء) من والدي تحت شهادة تخرجي من مدرسته. وكأني به لم يرحل بل انتقل من (الحضور الجسدي) إلى (الحضور القيمي) في كل تصرفاتي كما تشير الأدبيات. إن فخري به واعترافي بفضله ووصفي له بمعلمي وأستاذي وقدوتي ربما يكون من أرقى أشكال البر بعد الرحيل. فلقد منحني الحياة مرتين مرة بجسده، ومرة بروحه وقيمه. وكانت تسانده والدتي الغالية بلا شك فهي المعلم الأول والقدوة المثلى التي تمشي على الأرض.
رحم الله والديّ الغاليين رحمة واسعة، وأسكنهما فسيح جناته وجمعني بهما في مستقر رحمته. وأسأل الله أن يرزقني وإخوتي البر بهما. وأن يجعل كل خير فيّ صدقة جارية عنهما وأن يجعل من تلك الذكرى الخالدة منارة تضيء لي طريقي وتُعلم من حولي كيف يكون الحب، وكيف تكون المروءة، وكيف تكون الأبوة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى