المقالات

ما هي القيمة الاستراتيجية للعناصر الأرضية النادرة؟ ‏(Rare Earth Elements – REEs)

في عالم تتشابك فيه مصائر الدول بخيوط لا تُرى، تتحكم مجموعة من العناصر الكيميائية في مصير التقنيات من الهواتف الذكية إلى الصواريخ البالستية. إنها “العناصر الأرضية النادرة”، الـ 17 عنصراً التي تحولت من مجرد عناصر في جدول كيميائي إلى سلاح جيوسياسي تتصارع عليه القوى العظمى. والمفارقة التي تكشفها أحدث البيانات: تقع واحدة من أكبر كنوز هذه العناصر تحت رمال المملكة العربية السعودية، في اكتشاف قد يعيد رسم خريطة القوى الاقتصادية والتقنية العالمية.

جدير بالذكر أن بعض العناصر الأرضية النادرة (مثل السيريوم واللانثانيدات الأخرى) قد تكون أكثر وفرة من بعض العناصر “الشائعة” الأخرى (كذهب أو فضة). وتكمن ندرتها الحقيقية في صعوبة فصلها عن بعضها البعض، وفي التحدي البيئي والاقتصادي الهائل لاستخراجها ومعالجتها بشكل نقي.

تنقسم هذه المجموعة الاستراتيجية إلى قسمين رئيسيين:

· العناصر الخفيفة: مثل النيوديميوم والبراسيوديميوم، وتشكل نحو 80% من الإنتاج العالمي.
· العناصر الثقيلة: مثل الديسبروسيوم والتيربيوم، وهي الأكثر ندرة وقيمة، والأكثر أهمية للتطبيقات العسكرية المتقدمة.

لكن لماذا قد تكون هذه المعادن سبباً حروب المستقبل بشكل مباشر او غير مباشر؟
والجواب على ذلك يتركز في كون هذه العناصر تشكل العصب الحقيقي للقفزة التقنية المعرفية المعاصرة. فالهاتف الذكي يحتوي على 6-8 عناصر نادرة،
والسيارة الكهربائية تحتاج إلى كيلوجرامات منها،
بينما تستهلك طائرة مقاتلة واحدة الى كميات اكبر بكثير من تلك التي تحتاجها صناعة السيارات الكهربائية .

وفيما يلي نماذج وأنماط من القفزات التقنية المعرفية المعاصرة :
1. القفزة المعرفية في الطاقة النظيفة التي تُصنع مغناطيسات توربينات الرياح والسيارات الكهربائية من خليط من بعض العناصر النادرة. حيث تشير توقعات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الطلب على هذه العناصر للاستخدامات الخضراء سيرتفع أضعاف مضاعفة بحلول عام 2040.
2. . القفزة المعرفية في أنظمة التسليح المتقدم
3. القفزة الرقمية والطبية في صناعة الهواتف الذكية، وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي التي تعتمد على عنصر الجادولينيوم.

تجدر الإشارة الى تربع الصين على عرش هذه الصناعة حيث تنتج أكبر نسبة من الخام العالمي، وتسيطر على نسبة أكبر من عمليات الفصل والمعالجة العالمية. وذلك نتيجة لاستراتيجية مدروسة بدأت قبل ثلاثة عقود، حين قررت بكين تحمل التكلفة الباهظة ( والتي قد يسميها البعض رأس المال الجرييئ) لهذه الصناعة مقابل المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل حتى وصلت قدرتها الى تحويل هذه الثروة الى سلاح جيوسياسي فعّال مذكرة العالم بأن الاعتماد على مصدر واحد لهذه المواد الحيوية هو نقطة ضعف استراتيجية خطيرة للدول الصناعية الكبرى التي لا تمتلكها ( او لا تمتلك ما يكفي منها لتطوير صناعتها العسكرية والمدنية ).
وفي خضم هذا المشهد ، أعلنت المملكة العربية السعودية عن اكتشاف احتياطيات هائلة من العناصر الأرضية النادرة، خاصة في “جبل صايد” في الدرع العربي الذي يُصنف باحتياطي عالمي كبير من حيث القيمة. فالمكامن السعودية تحتوي على نسبة عالية من العناصر الثقيلة الأكثر استراتيجية، والتي تفتقر إليها الأسواق الغربية بشكل حاد.

ولم تكتف المملكة باكتشاف هذه الثروات المعدنية إضافة الى ما لدبها ، بل أعلنت شركة التعدين العربية السعودية “معادن” عن شراكة استراتيجية مع شركة “إم بي ماتيريالز” الأمريكية (MP Materials) لبناء مصفاة لمعالجة العناصر الأرضية النادرة بالشرق الأوسط، حيث تمتلك “معادن” 51% والشركة الأمريكية (بدعم من البنتاغون) 49%، بهدف تعزيز سلسلة إمداد المعادن الحيوية وتأمينها عالميًا، وذلك في خطوة تدعم رؤية السعودية 2030 وتوطيد الشراكة الصناعية مع الولايات المتحدة.
إلا أن امتلاك المادة الخام وبناء مصفاة للمعالجة هما ليس إلا مجرد البداية تمهيداً لتحول المملكة إلى مركز إقليمي وعالمي للابتكار في صناعات المستقبل القائمة على هذه العناصر؟
وقد يسهم في تحقيق ذلك وجود شراكات استراتيجية فاعلة وموثرة وغير مسبوقة بين جامعات المملكة والقطاع الصناعي ، والشركات الكبرى التي تملكها الدولة وصندوق الاستثمارات العامة والتي قد تأخذ أشكالاً عدة منها على سبيل المثال:

1. إنشاء مراكز التميز المشتركة: حيث تلتقي رأس المال البشري المتخصص بالصناعة بتمويل مشترك من الشركات العملاقة مثل “معادن” و”أرامكو” و”سابك”، بالشراكة مع جامعات بحثية رائدة مثل جامعة الملك عبدالعزيز وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) وجامعة الملك سعود. هذه المراكز ستركز على تطوير تقنيات استخراج ومعالجة أقل تكلفة وأكثر استدامة، وابتكار تطبيقات صناعية جديدة.

2. تطوير برامج بكالوريوس ودراسات عليا متخصصة في مجالات مثل هندسة المعادن النادرة، وكيمياء فصل العناصر الاستراتيجية، بإشراف مباشر من القطاع الصناعي لضمان مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق المستقبلية وتوفير الممكنات التقنية اللازمة من المعامل والمختبرات المركزية.

3. إطلاق حاضنات تقنية متخصصة داخل المدن الصناعية، بدعم من صندوق التنمية الصناعية السعودي وصناديق الاستثمار الجريء، لتحويل الأبحاث الجامعية إلى شركات ناشئة في مجالات واعدة مثل صناعة المغناطيسات الدائمة أو المواد الحفازة المتقدمة.

4. استحداث برامج زمالة صناعية لإرسال المهندسين والباحثين السعوديين للتدرب في المراكز العالمية الرائدة، واستقدام الخبراء الدوليين للإشراف على المشاريع المحلية الناشئة، مما يختصر سنوات من منحنى التعلم.

5. تأسيس “الصندوق الوقفي الوطني للبحث في الثروات المعدنية الاستراتيجية”، بمساهمات من القطاع الصناعي ، لضمان تمويل مستقر طويل الأمد للأبحاث الجريئة عالية المخاطر والعائد، مجسداً بذلك فكرة الوقف الإسلامي في خدمة البحث العلمي التطبيقي

إن العناصر الأرضية النادرة ليست غاية في حد ذاتها، بل هي فرصة تاريخية لتحفيز تحول أعمق نحو الاقتصاد القائم على المعرفة. لذلك فإن الشراكة الإستراتيجية مؤسسات التعليم العالي والقطاع الصناعي ليست خياراً ترفياً، بل هو الانموذج الامثل لتوطين وتطوير التقنيات لتصبح المخرجات الصناعية السعودية المطلب الاكثر موثوقية للدول الصناعية والممر الاكثر وضوحاً لتحقيق الطموح .

إن البناء الحقيقي يبدأ عندما تلتقي الثروات المعدنية الكتشفة حديثاً برأس المال البشري في شراكة وطنية تضع المملكة في القلب الصناعة النابض . والتي ستكون في نهايتها المختبرات المركزية ذات المعيارية العالمية في الجامعات مرتكزاً ومحوراً اساسيا لنجاح الشراكات مع القطاع الصناعي، وهي المعادلة التي تملك المملكة كل مقومات النجاح فيها بإذن الله تعالى كما رأينا في مؤشرات رؤية المملكة التي تحقق كثير منها قبل الوصول إلى نهاية مدة الرؤية ٢٠٣٠.

وما ذلك على الله بعزيز.

كُتبت هذه المقالة بناءً على بحث شخصي وموضوعي بالاستعانة بقواعد البيانات في تدقيق بعض المعلومات وأدوات الذكاء الاصطناعي في صقل الصياغة.ا

أ.د. عصام يحيى الفيلالي

أستاذ سابق – جامعة الملك عبدالعزي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى