جهود كبيرة ومُقدّرة على مختلف الصُعد المحلية والإقليمية والدولية؛ تضطّلع بها بلادنا الغالية المملكة العربية السعودية؛ بقيادة مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – أيده الله – وسنده وعضده وساعده الأيمن؛ سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – رعاه الله –، لخدمة اللّغة العربية والعناية بها وتعزيز مكانتها ونشرها وتمكينها، كما تقوم بأدوار مهمة ومحورية لتعزيز التواصل العلمي والمعرفي والثقافي وترسيخه، وذلك بوصف هذه اللغة جزءاً أساساً من مكوِّنات الهويّة الوطنية السعودية، وتُسهم في تشكيل هويّة الدولة والمجتمع في مملكتنا الغالية، كما تُعدُّ ركناً من أركان التنوع الثقافي البشري، لتشمل هذه المسؤولية الممتدة والجهود المتميزة للعناية بلغة القرآن الكريم وتعزيز مكانتها والحفاظ عليها والنهوض بها، ونشرها في الداخل والخارج وإبراز مكانتها محلياً وإقليمياً وعالمياً، كثير من المُنجزات النوعية الفريدة، التي تتمثل في مجموعة من القرارات والـتـنـظـيـمـات الـتـي تـعـنـى بـهذه الـلـغـة الخالدة، والتي تهدف لتوحيد المرجعية العلمية داخليًّا فيما يتعلق باللغة العربية وعلومها، والعمل على تحقيق ذلك خارجيًّا. كما تتجسّد هذه المسؤولية في إنشاء العديد من الصروح لخدمة لغة القرآن الكريم، منها مركز الملك عبدالله لخدمة اللغة العربية، ومجمع اللغة العربية بمكة المكرمة على الشبكة العنكبوتية العالمية “الإنترنت”، ولتُتوّج هذه الجهود بصدور موافقة مجلس الوزراء في 1 سبتمبر 2020م على تنظيم “مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية”، الذي من أهدافه؛ المحافظة على سلامة اللغة العربية ودعمها نطقًا وكتابة، والنظر في فصاحتها وأصولها وأساليبها وأقيستها ومفرداتها، وضوابطها وقواعدها، وتيسير تعلمها وتعليمها داخل المملكة وخارجها؛ لتواكب المتغيرات في جميع مجالات اللغة العربية، إيجاد البيئة الملائمة لتطويرها وترسيخها، والعمل على نشر استخدام اللغة العربية، ومتابعة سلامة استعمالاتها في المجالات المختلفة.
هذه الجهود الكبيرة والمُقدرة، توِّجت بتدشين “مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي”، الذي يأتي تدشينه في المدينة المنورة؛ تأكيدًا للعناية التي توليها المملكة للثقافة والفنون، وانطلاقًا من المكانة التاريخية لهذه المدينة النبوية، بوصفها مهدًا للخط العربي، وذاكرةً حضارية ارتبطت بكتابة المصحف الشريف وتدوين العلوم الإسلامية، وامتدادًا لدورها التاريخي ممثلًا في “دار القلم”، بما يرسّخ حضورها كمدينة عالميةً للخط العربي، ويأتي امتدادًا لدور “طيبة الطيبة” الحضاري بوصفها حاضنةً للعلوم والموهوبين في مختلف مجالات الفن العربي والإسلامي، ويعزّز مكانتها الثقافية والتاريخية، وليجسّد اتساق هذه المبادرات مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 نحو تمكين الثقافة، وتعزيز حضورها محليًا ودوليًا، كما يُسهم تأسيس هذا المركز المرموق، في إيجاد منصة سعودية عالمية للخط العربي باعتباره قيمة ثقافية عريقة، في ظل ما يحظى به القطاع الثقافي من دعم كريم وغير محدود من سموه الكريم – حفظه الله –، وبما يقوم به وينفذه هذا المركز الرائد من أنشطة وفعاليات متنوعة ومتعدِّدة، وذلك لكونه مركزاً للإبداع والابتكار والتواصل الحضاري، كما يسعى “المركز” لتجسيد رؤيةً واضحة للارتقاء بالخط العربي بصفته وسيلةَ تواصل عالمية وراسخة في التراث العربي والفنون والعمارة والتصميم، ويُسهم بقدر كبير في تعزيز مكانة المملكة وإبراز أدوارها التاريخية في صونه وتطويره، وفي الوقت نفسه يهدف لتوجيه رسالةً للعالم أجمع عن حجم هذا الإرث العظيم والمكانة الرفيعة للخط العربي، ويجسّد ويؤكد الاهتمام الذي تُوليه قيادتُنا الرشيدة – أيدها الله – لثقافتنا وهويتنا وموروثاتنا، وبالثقافة الوطنية وصون مكوّناتها الأصيلة، وفي مقدمتها الخط العربي، بوصفه أحد روافد الهوية الحضارية العربية والإسلامية، وذلك بما يضمه “المركز” من محتوى ثقافي ثر وغني، ومعارض ومقتنيات وأعمال فنية تعكس قيمة الخط العربي ومكانته الثقافية والحضارية، وما يحققه من جوائز ومنجزات ثقافية متعددة.
إستراتيجية “مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي”، ترتكز المركز على خمسة محاور رئيسة، تشمل: المعرفة والتطوير، وتنمية المهارات، والمشاركة المجتمعية، والأعمال والفرص، والابتكار، ويندرج تحتها عددٌ من البرامج النوعية، من أبرزها: وحدة البحث والأرشفة، وبرنامج تعلم الخط العربي، ومنح الدراسات والأبحاث، ومتحف الخط العربي الدائم، والمعارض المتنقلة، والجمعية الدولية للخط العربي، وحاضنة الأعمال المرتبطة بالخط العربي. وبهذا الزخم الكبير؛ يشكّل “المركز” منصةً لتطوير المواهب وصقل مهارات الخطاطين والاستثمار في المبدعين، إلى جانب تعزيز الهوية الثقافية للمملكة وترسيخ حضورها الدولي، مستهدفًا مختلف الفئات، ومنهم الخطاطون والمواهب الناشئة والفنانون التشكيليون والباحثون في الفنون الإسلامية والمؤسسات التعليمية والثقافية، إضافةً إلى الجمهور المحلي والعالمي من محبي الفنون والتراث، بما يسهم في توسيع دائرة التأثير وزيادة الوعي الثقافي وإبراز جماليات الخط العربي، وبالتالي ليعمل “المركز” على تنفيذ حزمةٍ من البرامج النوعية، تشمل برنامج الإقامة الفنية، وتنظيم الورش التخصصية، وتطوير المناهج والمعايير المرتبطة بالخط العربي، إلى جانب مبادرات تعليمية وتدريبية دولية تسهم في حفظ التراث الثقافي، وتعزّز الحضور العالمي لهذا الفن العريق، الذي يمثّل إرثًا حضاريًّا حيًّا يجمع الأصالة والإبداع.
ولتجسيد هذه الأهداف وتطبيقها على أرض الواقع، يعد “مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي”، عدد من المبادرات والمسابقات والدورات المتخصصة في الخط العربي، كما يُشارك في كثير من المحافل والمناسبات من مهرجانات وملتقيات ومؤتمرات وغيرها، وذلك بأجنحة متميزة تُقدّم محتوى معرفيًا يتيح للزوار التعرف على جماليات الخط العربي ومدارسه وأساليبه، من خلال عروضٍ مباشرة يقدمها خطاطون متخصصون، إلى جانب مجموعة من التفعيلات الثقافية المصممة لإشراك الجمهور في تجربة معرفية لا تقتصر على المشاهدة فحسب، بل تشمل المشاركة والتفاعل وتكوين فهمٍ أعمق لروابط الفن بين الحضارات بما يتعلق بالخطوط، كما تعرض هذه الأجنحة عددًا من الأنشطة التي تجمع بين الفنون التقليدية والتقنيات الحديثة، منها استخدام التقنية في الخط العربي، وهو ما يتيح للزوار مشاهدة دمج التكنولوجيا الحديثة مع فنون الكتابة التقليدية، وتتضمن كذلك ركن للهدايا التذكارية التي تحمل كتاباتٍ عربيةً وبغيرها من اللغات، ومساحةً مخصصة لتجربة الخط باستخدام أدواته التقليدية، وفعالية الرسم على الرمل التي توظف الحروف العربية بأسلوبٍ بصري مستوحى من البيئات الصحراوية، إضافة إلى فعالية الخط العربي على طريق الحرير؛ التي تستعرض المحطات التاريخية التي التقت فيها الفنون بين الحضارات عبر مسارات التجارة القديمة. وذلك بهدف دعم الإبداع، وتمكين الخطاطين في الداخل وحول العالم، وإحياء تقاليد هذا الفن الأصيل وفق أعلى المعايير الفنية، بما يعزّز مكانة الخط العربي رمزًا ثقافيًا وحضاريًا، ويسهم في تحقيق مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للثقافة ضمن رؤية السعودية 2030.
والله ولي التوفيق،،،
* المُلحق الثقافي في سفارة خادم الحرمين الشريفين في أنقرة






