المقالات

هل انسحبت الإمارات من اليمن… أم غيّرت شكل التدخّل؟

أعلنت دولة الإمارات الصديقة انسحابها من اليمن، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل انسحبت فعلًا؟
فالانسحاب في الحروب لا يُقاس بالبيانات، بل بالنتائج، ولا يُختبر بالتصريحات، بل بما يتوقّف على الأرض وما يستمر من خلف الستار.

جرت العادة في النزاعات أن العدو، حين يوهم بالانسحاب، يزرع ألغامًا في الأرض التي يغادرها، ليُصيب المدرعات والأفراد بعد رحيله. غير أن الكمين لا يكون دائمًا على شكل ألغام.
قد تكون ميليشيات تُدار بالوكالة، لا تقل خطرًا عن الألغام.
وقد تكون عصابات تُحرّك متى شاءت.
وقد تكون حملات إعلامية منظّمة تُغذّي الفوضى، وتشوّه الجوار، وتُربك الوعي العام.
وقد تكون تفكيكًا ناعمًا للدولة، أخطر من أي اشتباك مباشر.

منذ إعلان الإمارات انسحابها، لم تتوقّف الفوضى في اليمن، بل تغيّرت أدواتها.
في سقطرى، وحضرموت، والمهرة، ما زالت المشاهد تقول إن الانسحاب لم يُنهِ التأثير، وإن الحضور لم يعد عسكريًا صريحًا، لكنه سياسي وأمني وإعلامي.

المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة عيدروس الزبيدي، تحوّل من كيان سياسي إلى ما يشبه ميليشيا انقلابية، تهدّد أمن اليمن ووحدته، وتعمل خارج الشرعية التي دخلتها يومًا باسم الشراكة.
وهذا التحوّل وحده كافٍ للإجابة عن السؤال:
لو كان الانسحاب حقيقيًا… لمن تُدار هذه الميليشيات؟ وبأي غطاء تستمر؟

الأمر لا يتوقّف عند الداخل اليمني.
استمرار الحملات الإعلامية المضلِّلة ضد المملكة العربية السعودية يكشف أن الانسحاب لم يكن سوى خطوة علاقات عامة أمام الرأي العام، بعد أن سقط القناع وانكشفت النوايا.
وهنا تحضر في الذاكرة كلمات الفنان الكويتي عبدالله الرويشد:
«اثاري كل ما قلتي .. كلامٍ في كلام، يا ويلي ما بقى صاحب .. وعلى الدنيا السلام».

الانسحاب الحقيقي لا يكون بالبيانات فقط، بل بإنهاء الصراع دون بلطجة سياسية، ولا غطرسة نفوذ، ولا إدارة فوضى بالوكالة.
انسحاب يفتح الطريق أمام اليمنيين ليبحثوا عن مستقبلهم، لا أن يُتركوا في ساحة صراع مُلغّمة بأدوات جديدة.

كان يُفترض، بعد موجة التطبيع مع الكيان الصهيوني، أن تتجه الإمارات إلى تهدئة الإقليم لا تعقيده، وإلى إطفاء الحرائق لا إدارة رمادها.
لكن الشارع العربي اليوم لم يعد يطالب بتصريحات، بل بانسحاب فعلي من اليمن، والسودان، وليبيا… انسحاب يحترم سيادة الدول، ويُعيد للدولة معناها، وللأمن تعريفه.

فهل انسحبت الإمارات من اليمن؟
الإجابة، وفق ما يجري على الأرض، واضحة:
لم تنسحب… بل غيّرت شكل الحضور.

ختامًا
يتحدّث البعض عن «إنجازات» للإمارات في اليمن منذ انطلاق التحالف، غير أن الأثر الذي بقي على الأرض يثير تساؤلات مشروعة؛ إذ أفرز المشهد كيانًا مسلحًا جديدًا بقيادة عيدروس الزبيدي، أسهم – واقعًا – في تعقيد المشهد أكثر مما ساعد على استقراره، وزاد الفوضى تشابكًا بدل أن يحدّ منها.

وفوق ذلك، تحدّث عدد من القادة والمسؤولين اليمنيين صراحة عن أطماع إماراتية في جنوب اليمن، لا عن دعمٍ مؤقت أو دورٍ عابر، فيما عبّر أبناء حضرموت بوضوح عن رفضهم تواجد قوات المجلس الانتقالي في محافظتهم، مطالبين بخروجها، بوصفها قوة مفروضة لا تعبّر عن إرادة المكان ولا تخدم استقراره.

وهنا يبرز السؤال المنطقي الذي لا يمكن القفز عليه:
عن أي إنجازٍ على أرض الواقع يتحدثون، إذا كان الوجود ذاته محلّ رفض، والأثر يزيد المشهد تعقيدًا لا أمنًا؟

فإن كانت الإمارات جادّة في حديثها عن الانسحاب، فإن الاختبار الحقيقي لذلك يبدأ وترك اليمنيين يقرّرون مصيرهم دون ميليشيات، ولا وصاية، ولا شعارات زائفة، ولا حملات إعلامية مضلِّلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى