المقالات

قراءة في صناعة هوية الحرمين بعد الفصل المؤسسي عبدالله أحمد الزهراني

حين كانت الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي جهةً واحدة، لم يكن الاسم محل جدل، ولا الهوية موضع تنافس، بل استقر في الوعي العام والإعلامي ذلك الاختصار الذكي: «شؤون الحرمين».
اسمٌ جمع بين قدسية المكان، ورسوخ الرمز، ووحدة الجهة، فصار عنوانًا للثقة، ودلالة على المسؤولية، ومرآة للهيبة المؤسسية التي تمثلها المملكة في خدمة أقدس بقاع الأرض.

اليوم، وبعد الفصل التنظيمي الذي نتج عنه قيام جهتين مستقلتين:
رئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي،
والهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي،
دخلنا مرحلة جديدة من صناعة الهوية المؤسسية، حيث بدأت كل جهة في بناء علامتها البصرية واسمها الإعلامي وخطابها الاتصالي.

وهنا برز المشهد اللافت؛ إذ اختارت الهيئة العامة للعناية اسم «الحرمين» بوصفها كيانًا خدميًا حديثًا يمثل مرحلة تشغيلية جديدة، بينما اختارت رئاسة الشؤون الدينية اسم «حرمين» في محاولة لصياغة هوية مستقلة. غير أن هذا التمايز اللفظي أوجد انطباعًا غير مقصود بأن الاسم ذاته بات ساحة تنافس رمزي، لا مجرد خيار لغوي أو هوية تنظيمية.

غير أن الحقيقة الأعمق تقول إن القضية ليست في المفاضلة بين «الحرمين» و«حرمين»، بقدر ما هي في فهم طبيعة الاسم نفسه.

لقد ترسّخ مصطلح «الحرمين» في الخطاب الإسلامي والتاريخي والإعلامي عبر قرون، فصار مرادفًا لمكة والمدينة، وللقداسة، وللخدمة، وللرسالة التي يحملها الحرمين في خدمة أقدس بقاع الأرض. ومن هنا، فإن توظيف الاسم في سياق تنافسي بين الجهات، أو تجريده من امتداده التاريخي، يبتعد عن جوهر رمزيته الجامعة.

الفصل المؤسسي خطوة تنظيمية راشدة تهدف إلى تعزيز الكفاءة وتجويد الأداء وتوزيع الأدوار بين الجانب الخدمي التنفيذي والجانب الديني الإشرافي، لكنه لا يعني بالضرورة تفكيك الهوية الجامعة التي ظلّت تمثلها عبارة «شؤون الحرمين» في الوعي العام.

فالذكاء المؤسسي لا يكون في التمايز اللفظي، بل في التكامل الوظيفي.
ولا يكون في صناعة أسماء متجاورة، بل في بناء أدوار متكاملة تخدم الهدف الأكبر: خدمة قاصدي الحرمين، وتعظيم مكانتهما، وصون رمزيتهما.

ختامًا،
فإن صناعة هوية الحرمين بعد الفصل المؤسسي لا ينبغي أن تُدار بمنطق المنافسة الرمزية، ولا بمنهج تجزئة الاسم الجامع الذي استقر في وجدان الأمة قرونًا طويلة. فالحرمين الشريفين أكبر من أن يكونا موضوعًا لتباين لغوي، وأعمق من أن يُختزلا في مسميات متجاورة أو شعارات متقاربة.

ومن هنا، فإن الخيار الأذكى والأكثر اتزانًا يتمثل في توحيد الشعار اللفظي للحرمين الشريفين، مع التمايز في الشعار البصري والهوية التشغيلية لكل جهة بحسب دورها ووظيفتها، بما يعكس التكامل المؤسسي لا التنافس الرمزي،
أو أن تعود رئاسة الشؤون الدينية إلى الشعار اللفظي المختصر الراسخ في الوعي العام: «شؤون الحرمين»، بوصفه امتدادًا طبيعيًا لدورها التاريخي والمرجعي.

ويبقى اسم الحرمين فوق كل شعار،
وأعلى من كل علامة،
وأبقى من كل هوية.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى