سترتدي السطور هذا اليوم حُلّة من النور، تحطُّ عدسة الاستذكار على شخصية كفاح رأيتها وعشت معظمها، أخذتُ منها مقتبسٌ لتسيير خطواتي وأرى نفسي من خلالها متصبّرًا وملتمِسًا للكثير من الدروس التي لطالما كانت الحياة بقسوتها ولينها هي الاختبار الأول والناس هم القدوة فاخترت من اقتديتُ به اليوم، ففي منتصف القرن الماضي عام (١٣٤٨هجرية) شهد هذا التاريخ مولد رجل مكافح ، فقد والده (رحمه الله )بعد ولادته بعدة سنوات وهو في سن الطفولة، وتزوجت والدته (رحمها الله) برجلٍ آخر وهو صغير، وقد تربى بعد ذلك في كنف خاله (رحمه الله) الذي عمل على تربيته كولدٍ له، حافظ على ممتلكاته وقام عليها، كان يحرث أرضه ويزرعها مع أرضه ويدخر له مايجنيه من نقود حتى اشتد عوده وبدأ يشق طريقه في الحياة التي كانت كلها مشقة وتعب في سبيل لقمة العيش، عمل في الزراعة والرعي والبناء يجني قوت يومه ويدخر مايزيد عن حاجته، بعدها سافر إلى مدينة جدة مشيًا على الاقدام وهو لايزال في سن الرابعة أو الخامسة عشرة وذلك بحثًا عن العمل وكسب الرزق، وقد عمل لدى أحد التجار يقضي حوائج المنزل، ثم عمل معه في تجارة الموز، وبعد فترة استقل و أخذ له بسطة صغيرة يبيع فيها لحسابه الخاص، استمر يبيع في بسطته لفتره من الزمن، و لأمانته عرض عليه ذلك التاجر أن يشتري له أرض بجواره بما معه من نقود ولكنه رفض وعاد لقريته….
تزوج بعد ذلك وبدأ في مواصلة عمله في الزراعة والرعي والبناء، ثم بدأ في بناء مسكن جديد له من الحجر حيث ضاق عليه السكن الأول وانتقل له، واستمر كفاحه هو و زوجته في سبيل تأمين لقمة العيش لأبنائهم التسعة، وقد شهد عمله الشقاء فتعرض للإصابة بكسور في عظام الصدر جراء عمله في رفع الحجارة، وبعد سنوات تقدم على وظيفة في التعليم كمستخدم وتم قبوله فكان يعمل صباحًا في المدرسة وبعد الظهر يواصل العمل في أرضه ويقوم على مصالحه، وبعد ذلك قام بشراء ماكينة خياطة وبدأ يتعلم عليها الخياطة حتى اشتهر في قريته والقرى المجاورة؛ فكان يعمل من الفجر إلى المغرب دون كلل أو ملل مرددًا الكثير من القصائد والأهازيج والأمثال التي كانت تحمل في طياتها الكثير من الدروس والعبر ….
تعرّض لعدة أمراض أجرى على إثرها عدة عمليات ومع ذلك استمر يناضل ويكافح في ممارسة عمله وفي زراعته ورعي اغنامه وشؤون أسرته، كان أكبر أولاده من البنات أما الذكور أتوا متأخراً فلم يساعدوه في الحياة إلا بعدما قد تجرّع منها القسوة والتعب….
وهناك جانب آخر مضيئ في حياة هذا الرجل حيث يستمد قوته من الحرص على دينه و تعلقه بربه و توكله عليه في كل أمور حياته فكان محافظاً على صلاته لا يترك المسجد إلا في أحلك الظروف، عُرف بدماثة خلقه فكان صادقًا في تعاملاته وعلاقاته الاجتماعية محبًا للخير ومقدماً عليه. وبالرغم من تقدمه بالسن وبلوغه عمرًا كبيرًا إلا أن حرصه على صلاته لم يكن مسبوق النظير ، فكان ينتظر الصلاة بعد الصلاة بشوق كبير حتى لقبه الجميع بحمامة المسجد، وعندما لم يعد يستطيع الخروج للمسجد بسبب مرضه كان مواظب على فروضه الخمسة؛ فتعلق بصلاته لتكون آخر عهده بالدنيا، استيقظ يوم وفاته صلّى الفجر وعاد لفراشه وبعدها تعرض لجلطة وانتقل إلى جوار ربه عام ( ١٤٤٥ هجرية ) عن عمر قارب المئة عام….
*بكيناه* وافتقدناه لكن سوف تجري الأيام والسنين وتنسينا رغمًا عنّا ألم الفقد وهذه سنة الله في خلقه، ولكن من فقده وبكاه أكثر منّا عكازه الذي كان يتوكأ عليه في ذهابه وعودته من صلاته، وبكاه مسجده وكل زاوية فيه والذي كان لايتخلف عنه في صلاواته….
كان هذا الرجل مثال للرجل المكافح الذي عاش يتيمًا ومع ذلك تغلب على ظروف الحياة القاسية، وعمل بجد رغم أنه لم يكن له عوين بعد الله إلا خاله، كان ذو فطنة وذكاء وكسب خبرة في كثير من مجالات الحياة، حيث كان له خبرة في أعمال البناء والكهرباء والأعمال الصحية، حتى العمال يعجبون من خبرته وبُعد النظر الذي يأتي من شخص لا يقرأ ولايكتب وله أيضًا معرفة في علم الحساب وفي علم المواريث….
كوّن أسرته وقام بتربية أبناءه هو وزوجته و كانا يؤثران أولادهما على نفسيهما حتى لا يكون لهم حاجة عند أحد ويكونوا كأقرانهم؛ فانطبق على هذا الرجل ماورد في الأثر ((اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا))…
احسبه والله حسيبه أنه من أهل الفلاح حيث كان يراقب الله في السر والعلن وكان قلبه معلق بالمسجد ويردّد دائماً الصلاة في غير المسجد ناقصة، *هذا الرجل الذي ذكرت بعض من سيرته هو والدي (رحمه الله)* واسكنه فسيح جناته… أرجو من الله أن يحتسب فيما كتبت نصيب له ولنا من الأجر و لمن يقرأ هذا المقال….
فلنا أن نتأمل جميعًا كيف عاش هذا الرجل وعاش غيره في تلك الفترة الصعبة من الزمن، وما كانوا يعانون في سبيل لقمة العيش ومانحن عليه اليوم من رغدٍ في المأكل والمشرب والملبس والمسكن نسأل الله أن يعيض والدي ووالديكم عن دنياهم بالجنة حيث كانت حياتهم في كبد ومشقة ورغم ذلك متعلقين بربهم مقوّين إيمانهم لا تكاد تنقطع ألسنتهم بالإبتهال إلى الله من غير جزع ولا قنوط، ونسأل الله أن يديم علينا الأمن والأمان و رغد العيش الذي ننعم به،ويحفظ لنا ديننا وطننا وقيادتنا من كل مكروه…..