على ضفاف البحر الأحمر، حيث يلتقي الملح بالذاكرة، تقف جدة مدينةً لا تُختزل في عمرانها ولا في دورها كميناء، بل في ما اختزنته من حكاياتٍ وأساطير سكنت وجدانها عبر القرون. فهذه المدينة، التي عبرها الحجاج والتجّار والبحّارة، لم تكن مجرّد محطة عبور، بل فضاءً حيًّا تراكمت فيه التجارب الإنسانية، ووجد فيه الخيال الشعبي تربة خصبة لينسج حكاياته. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن ترتبط جدة بأساطير ظلّت تتردّد في ذاكرتها، بوصفها جزءًا من تاريخها غير المكتوب.
ولأن الأسطورة ليست حكايةً واحدة المعنى، بل نصًّا مفتوحًا على التأويل، فقد اختلفت زوايا النظر إليها باختلاف من يتناولها؛ بين من يقرأها بعين التاريخ، ومن ينصت إليها بحسّ الأدب. فالأسطورة، في جوهرها، ليست نقيض الحقيقة، بل طريقًا آخر إليها. ينظر إليها المؤرخ بوصفها انعكاسًا لوعي الجماعة ومرآةً لتصوراتها عن الكون والمصير، لا لصدقها الزمني، بل لما تحمله من دلالات ثقافية واجتماعية. أما الأديب، فيراها فضاءً رحبًا للرمز والجمال، يعيد تشكيلها لتعبّر عن القلق الإنساني، والحلم، والبحث الدائم عن المعنى. الأول يُصدرها من عقله، والثاني من قلبه؛ وبين العقل والقلب تولد الأسطورة، نصفها حقيقة ونصفها حلم.
وفي الجزيرة العربية القديمة، كانت الأسطورة جزءًا من محاولة الإنسان الأولى لفهم الوجود. رأى في قوى الطبيعة ومظاهر الحياة رموزًا عليا تعبّر عن العطاء والخصب والمصير، فنسج حولها رواياتٍ تقترب من الغيب بلغته الخاصة. لم تكن تلك التصورات إنكارًا للمقدّس، بقدر ما كانت تعبيرًا عن دهشة الإنسان أمام المجهول وسعيه لتفسير ما يعجز عن إدراكه. ومع ظهور الإسلام، توحّدت الرؤية الإيمانية وتُنقِّيَ الاعتقاد، غير أن أثر تلك المرحلة بقي حاضرًا في الذاكرة الثقافية، بوصفه شاهدًا على تطوّر الوعي الإنساني في هذه الأرض.
ومن طبيعة الأسطورة أنها لا تولد في الفراغ، بل تنمو في حضن المكان. فالأمكنة التي شهدت حركة البشر، وتنوّع الثقافات، وتراكم الخبرات، كثيرًا ما تحوّلت إلى مسارح للأساطير. وهنا تتقدّم جدة بوصفها نموذجًا واضحًا لهذا التفاعل بين المكان والذاكرة؛ مدينةً بحريةً استثنائية، ارتبط وجودها بالرحلة والانتظار، وبالعبور بين اليابسة والمجهول. في هذا السياق، لم يكن البحر مجرد موردٍ للرزق، بل أفقًا للخيال، ومصدرًا للرهبة والرجاء معًا، وهو ما أسهم في تشكيل وجدانٍ جمعيٍّ قابلٍ لتوليد الحكاية والأسطورة.
ومن بين الأساطير التي ارتبطت بجدة، تبرز أسطورة قبر حواء، التي منحت المدينة بعدًا كونيًا فريدًا. فقد تناقلت الذاكرة الشعبية رواية دفن أمّ البشر في أرضها، حتى اقترن اسم المدينة بفكرة “الجَدّة” الأولى. ورغم غياب الدليل التاريخي القاطع، فإن هذه الرواية أسهمت في ترسيخ صورة جدة بوصفها موضع بداية الإنسان، ومكانًا تتقاطع فيه الأرض بالمعنى، والتاريخ بالرمز.
وفي قلب جدة التاريخية، تحضر حكاية حارة المظلوم، حيث امتزج الحدث بالوجدان، وتحول الظلم الفردي إلى رمزٍ اجتماعيٍّ خالد. تعددت الروايات حول أصل التسمية، لكن القاسم المشترك بينها ظلّ ثابتًا: مظلومٌ لم يُنصف، فأنصفه المكان بحفظ اسمه. هنا تتجلّى الأسطورة بوصفها تعبيرًا عن ضميرٍ جمعيٍّ حيّ، يرى في المكان ذاكرةً أخلاقية لا تنسى، وتُخلّد فكرة العدالة حتى وإن غابت عن واقع البشر.
أمّا بحيرة الأربعين، فتقف عند تقاطع الديني والاجتماعي، وربما الاقتصادي أيضًا، لا بوصفها ممارسةً مشكوكًا فيها، بل باعتبارها امتدادًا لطقسٍ إنسانيٍّ قديم. فالتطهّر بالماء كان شرطًا ملازمًا للعبادة في مختلف الديانات والحضارات عبر العصور التاريخية، إذ لا يُتصوَّر دخول المعبد دون طقس تطهيري يسبق الممارسة الدينية. ومن هذا المنظور، يمكن للمؤرخ الأثري — في ضوء ما استقرّ من تقاليد العبادة القديمة — أن يفترض وجود موضعٍ تعبّدي أو حيّزٍ شعائري في محيط البحيرة في الأزمنة الغابرة، استُخدم الماء فيه لأغراض الطهارة الشعائرية. وعلى هذا الأساس، لا تكشف الأسطورة عن اعتقادٍ شعبيٍّ فحسب، بل عن وعيٍ مبكر بالماء بوصفه عنصرًا مقدّسًا وموردًا حياتيًا في آن، وتعكس تداخل المقدّس بالمعاشي في مدينةٍ ارتبطت حياتها بالبحر ومواسمه.
وتكشف هذه الأساطير، مجتمعة، عن مدينةٍ متعددة الطبقات والدلالات؛ مدينةٍ ترى في البحر حياةً وغموضًا، وفي الظلم قضيةً لا تُنسى، وفي البدايات الإنسانية رمزًا للخلود. فهي ليست حكاياتٍ تُروى للتصديق، بقدر ما هي مفاتيح لفهم نظرة الإنسان الجداوي إلى العالم، وكيف واجه المجهول بالحكاية، وحوّل المكان إلى ذاكرة ناطقة.
وقد تتغير المدن، وتتبدل ملامحها، لكن الأسطورة تبقى؛ لأنها الوجه الآخر للذاكرة، والظلّ الباقي من الحلم الجمعي. وجدة، بما اختزنته من حكاياتٍ بين البحر والأزقة، ستظل مدينةً أنيقة في تاريخها، عميقة في وجدانها، تهمس بأساطيرها لكل من يُنصت… لا ليؤمن بها، بل ليفهم من خلالها روح المكان والإنسان.





