تبدو مكافأة التميّز لمديري ومديرات المدارس، في ظاهرها، خطوة تحفيزية إيجابية تعكس وعيًا متقدمًا بدور القيادة المدرسية في تحسين الأداء وجودة الممارسات التعليمية. غير أن فاعلية أي حافز مهني لا تُقاس بحسن النية وحده، بل بالمنطق الذي يحكم تصميمه وتطبيقه: كيف عُرِّف التميّز؟ كيف قيس أثره؟ وكيف وُزِّع الاستحقاق؟ هنا يبدأ السؤال المهني الجاد، لا حول مشروعية التحفيز، بل حول عدالته واتساقه مع طبيعة العمل التربوي.
فالتميّز في التعليم ليس إنجازًا فرديًا معزولًا، ولا المدرسة خط إنتاج تُختزل مخرجاته في قرار إداري واحد. إنها منظومة مهنية متكاملة تتداخل فيها جودة التدريس، وانتظام التقويم، وفاعلية التوجيه والدعم التعليمي، واستقرار الهيئة التعليمية، وتفاعل الأسرة، وبيئة التعلّم. ويقود مدير المدرسة هذه المنظومة ويوجهها، لكنه لا يصنع وحده ما تحققه من نتائج. ومن ثم، فإن قصر مكافأة التميّز على القيادة المدرسية وحدها لا يعكس بدقة طبيعة العمل المدرسي، ولا يدعم بناء ثقافة مؤسسية قائمة على العمل الجماعي والتكامل المهني.
وتبرز هنا مفارقة مؤسسية لافتة. فالمدارس التي حققت التميّز المدرسي خلال عامي 2024 و2025 حظيت بتكريم معنوي واحتفاء رسمي من الجهة الوطنية المستقلة المختصة بالتقويم، استنادًا إلى تقويم شامل يغطي مختلف أبعاد الأداء المدرسي وفق معايير معتمدة ومعلنة. هذا الاعتراف لم يكن قائمًا على مؤشر واحد أو نتيجة جزئية، بل على قراءة مهنية متكاملة للمدرسة بوصفها منظومة أداء.
غير أن هذا الاعتراف التقويمي لم يُترجم، في المقابل، إلى تحفيز موازٍ من الجهة المعنية بالتشغيل والتحفيز وزارة التعليم ، رغم أن المدارس نفسها استوفت أعلى معايير التقويم الرسمي المعتمد. وتثير هذه المفارقة تساؤلًا مهنيًا مشروعًا حول اتساق الرسالة المؤسسية بين منطق التقويم ومنطق التحفيز، وأثر هذا التباين على دافعية الميدان التعليمي وثقته بعدالة السياسات.
وتزداد الإشكالية وضوحًا عند النظر إلى معايير الاستحقاق. فالتحفيز الرشيد يفترض وضوح المعايير، وأوزانها، وآليات المفاضلة. ومن دون هذا الوضوح، يفقد التحفيز جزءًا كبيرًا من أثره التربوي والتطويري. كما أن الاقتصار على نواتج التعلّم وحدها، مع إغفال بقية عناصر التقويم المدرسي الشامل، لا ينسجم مع المنطق المهني للتقويم؛ إذ قد تُكافَأ الفروق في الفرص والسياقات أكثر مما تُكافَأ القيمة المضافة التي صنعتها المدرسة فعليًا في بيئتها الخاصة.
وتتضاعف هذه الإشكالية في المرحلة الثانوية، حيث تمثل نتائج القدرات والتحصيلي حصيلة تراكمية لمسار تعليمي طويل، تتأثر بعوامل متعددة تتجاوز المدرسة الحالية، مثل جودة التأسيس المبكر، والدعم الأسري، والاستقرار التعليمي. يستطيع مدير المدرسة الثانوية تحسين الانضباط الأكاديمي وتنظيم المتابعة، لكنه لا يستطيع إعادة بناء أساسات لم تُرسَّخ جيدًا في مراحل سابقة. وعندما تُقاس مدارس ذات سياقات مختلفة بمؤشر واحد، تُكافَأ النتائج المتراكمة أكثر مما يُكافَأ الجهد المؤسسي الراهن.
ويبرز هنا الفرق الجوهري بين منطق التحفيز في قطاع الأعمال ومنطقه في التعليم. فالمكافآت في الشركات تُبنى غالبًا على مؤشرات مالية مباشرة وقرارات قصيرة المدى، مع نطاق تحكم إداري واسع. أما التعليم، فلا يُنتج قيمة مالية مباشرة، ولا تُقاس مخرجاته في مدد زمنية قصيرة؛ أثره تراكمي، ومخرجاته معرفية ومهارية وقيمية، وهو بطبيعته نتاج عمل جماعي. ومن ثم، فإن نقل نموذج “البونص” إلى المدرسة دون مواءمة تربوية عميقة يظل إشكاليًا؛ لأنه ينقل أداة صُممت لبيئة ربحية إلى سياق مختلف في أهدافه ومنطق مساءلته.
وتكمن الخطورة في الرسالة الضمنية التي قد تُرسلها مكافآت تُمنح للقيادة بمعزل عن الفريق؛ رسالة قد تُفهم — ولو دون قصد — على أنها تقليل من قيمة أدوار المعلم والمعلمة، والموجه الطلابي، والإداري، بوصفهم شركاء أصيلين في صناعة التميّز.
ومع الزمن، لا يكون الأثر ماليًا فحسب، بل نفسيًا وتنظيميًا؛ إذ تتآكل الدافعية، ويضعف الالتزام، ويتراجع العمل التعاوني لصالح أداء فردي بارد يكتفي بالحد الأدنى من الوصف الوظيفي، وهو ما يتعارض مع فلسفة المدرسة المتعلّمة القائمة على التعاون والتحسين المستمر.
وخلاصة القول، إن مكافأة التميّز ليست إشكالًا في ذاتها، بل قد تكون أداة تطويرية مؤثرة إذا أُحسن تصميمها. والطريق الأكثر عدالة واتساقًا لا يكمن في إلغائها، بل في إعادة تأسيسها على منطق مهني واضح:
أن تُربط بالتقويم المدرسي الشامل الصادر عن الجهة الوطنية المختصة، وأن تُمنح بوصفها إنجازًا مؤسسيًا لا فرديًا، تُصرف لمدير المدرسة وفريق العمل معًا، وفق معايير معلنة وشفافة.
عندها فقط تتحول المكافأة من تميّز شكلي قصير الأمد، إلى أداة تحفيز حقيقية تعزز روح الفريق، وتخلق تنافسًا إيجابيًا، وتدفع نحو تجويد العملية التعليمية، بوصف التعليم منظومة متكاملة… لا مجرد نتيجة اختبار.
إعلامي تربوي

ابدعت استاذ محمد. فكر نتاج تجربة ثرية
مقال رصين بأسلوب جزيل اختصر قضية التحفيز وعلاقتها بالتميز المؤسسي الذي لا يكون قصرًا على مدير متميز بل هو نظام ومنظومة من العمل التربوي والإداري والقيادي الرائد الذي تشترك فيه كل أطراف المنظومة سددك الله أستاذ محمد ورعى فكرك وصان قلمك