شاهدتُ لقاءً تلفزيونيًا ممتعًا مع الكاتبة والفنانة التشكيلية إيمان رافع، حلت فيه ضيفة على الإعلامي الأستاذ محمود سعد في برنامجه «باب الخلق». لم يكن لقاءً عابرًا، بل لحظة استدعاء عميقة لذاكرة شخصية، وتجربة إنسانية ما زالت تقيم في القلب دون استئذان.
أعادني حديثها إلى موقف قديم جمعني – ذات يوم – بصاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي رحمه الله، على مائدة الغداء التي كانت تجمع قيادات وزارة الخارجية والسفراء في منتصف يوم العمل. سألني سموه عن زوجتي رحمها الله، وكان له معها، في أيام مرضها، موقف إنساني كريم لا أنساه، ذكرته تفصيلاً في كتابي «مع سعود الفيصل»، حين تكفلت الدولة بعلاجها في هيوستن، وبقيتُ معها هناك مدة طويلة.
في ذلك اللقاء، قلتُ لسموه جملة بدت غريبة على مسامع أحد الزملاء السفراء، حين قلت:
“إنني عندما استرجع حياتي معها، أحزن وأفرح، بل أبكي وأضحك في آن واحد!”
قاطعني أحد الزملاء متعجبًا: كيف تبكي وتضحك على ذكرى وفاتها؟
كانت تلك المقاطعة دليلاً على كيف نُخضع مشاعرنا لقوالب جاهزة. فأكملت: “أنا أضحك – أو أفرح – لأنني أستعيد ذكريات جميلة عشناها معًا، وأبكي لأن تلك الذكريات نفسها تحمل ألم الفقد بعد الرحيل. هو إذن ألم وفرح، حزن وامتنان، فقدٌ لا ينفي نعمة الذكرى.”.
كانت المشاعر متعايشة، لا متعارضة. الفرح بالأمس حاضر بقوة الألم على غيابها اليوم. في هذه الذكرى، لم أكن إنسانًا منقسمًا، بل كنت إنسانًا كاملًا، يحمل تاريخه بكل ثقله ونوره.
هذا المعنى الإنساني العميق وجدته حيًا في حديث السيدة إيمان رافع. فقد تحدثت بصدق نادر عن حياتها بعد وفاة زوجها، حين وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن كل شيء، تعمل نهارًا، وتعود مساءً لتقوم بدور الأم والأب معًا، في ظل ظروف مادية قاسية، إذ لم يتجاوز معاش زوجها 163 جنيهًا، بعد أن كان قد تنازل عن نصيبه من الميراث لأخواته.
ورغم ذلك كله، لم تشكُ، ولم تظهر مكسورة. من يراها يظنها امرأة ميسورة، هادئة البال، مستقرة الحياة. ربما لأن الكرامة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها، ولأن القوة الصامتة إحدى سمات الشخصية المصرية الأصيلة، تلك التي لا تتوسل التعاطف ولا تتاجر بالألم.
وحين سألها محمود سعد”ما هي أشقى فترات حياتك؟”
جاء ردها مدهشًا في بساطته وعمقه:
«كل حياتي جميلة… أنا مستمتعة بكل لحظة، حتى لحظات الألم. وفاة أبي، رحيل أمي، كانت لحظات قاسية، لكن إحساسي بأن الله منّ عليّ بأن أكون ابنة لهذين الوالدين هو كرم إلهي يغفر كل شقاء مررت به».
هذا الامتنان – كما تؤكد دراسات علم النفس – ليس إنكارًا للألم، بل قدرة على منحه معنى، إنها تحوّل المعادلة: من التركيز على «فقدان» الشخص، إلى التركيز على «نعمة» وجوده من الأصل. وهذا امتنان من نوع فريد. وهو ما يجعله أقل تدميرًا للنفس البشرية.
وأنا أتابع اللقاء، تذكرتُ حوارًا تلفزيونيًا آخر مع الفنان الصديق محمود حميدة، حين سُئل: لو فُتحت لك بوابة الماضي، أي لحظة تختار أن تعود إليها؟
أجاب ببساطة لافتة:
«أنا لا أعود للماضي… الحدث حين ينتهي أنساه. أما الشقاء، فهو لازم في حياتي، لأنني إن لم أشقَ أثناء أداء الشخصية، لا أشعر أنني أديت عملي كما ينبغي».
وفي لقاء آخر له ببرنامج «صاحبة السعادة»، يذهب إلى مدى أبعد، فيقول إنه يحب أن يستمتع بكل لحظة، «حتى لو كانت لحظة نكد وقرف… لازم أتنكد على الآخر! ».
هنا تكمن المفارقة العبقرية. إنه لا يطلب الراحة الدائمة، بل يطلب «التجربة» الكاملة. إنه يذوّق الحياة بكل نكهاتها، حتى المرة منها. إنه يرفض أن يكون متلقيًا سلبيًا للأحداث، بل يصبح مشاركًا فاعلاً فيها، بل وحتى ممثلًا رئيسيًا في دراما «النكد»!
وجدتُ نفسي قريبًا من هذا الفهم للحياة؛ لا انتظارًا للألم، ولا تمجيدًا له، بل قبولًا واعيًا بأن الحياة لا تُعاش مجتزأة. الفرح وحده وهم، والحزن وحده هزيمة، أما العيش الحقيقي فهو القدرة على استقبال اللحظة كما هي.
إنه *رفض التبسيط*. رفض أن تُختزل الحياة في سعادة دائمة أو شقاء أبدي. إنها فلسفة تقبل التناقض كحقيقة مركزية للوجود الإنساني. أنت لا تختار بين البكاء أو الضحك، بل يمكنك أن تفعل الاثنين معًا. أنت لا تمحو ألم الفقد، لكنك تتذكّر نعمة الوجود فتخف وطأته. أنت لا تهرب من الشقاء، بل تجعله وقودًا لإبداعك أو حتى مادة لضحكتك.
إنها قوة “المرونة الفلسفية”. القدرة على رؤية الصورة الأكبر. إنها العيش بكليّتنا، بكل ما في جعبتنا من مشاعر متضاربة، وهي في تضاربها تصنع توازننا.
ولعل الحكاية الطريفة عن الزوج الذي حدد لزوجته يومًا واحدًا في الأسبوع «للتنكيد»، فوجدها ترقص فرحًا وهي تقول: «بكرة النكد بكرة»، تختصر الفكرة كلها: نحن لا نُطالب بإلغاء الألم، بل بتنظيم علاقتنا به، وألا نسمح له بابتلاع حياتنا.
الحياة، في جوهرها، لا تطلب منا أن نكون سعداء دائمًا، بل أن نكون صادقين مع مشاعرنا، ممتنين لما كان، وقادرين على المضي قدمًا، حتى حين نمشي وفي القلب وجع… وفيه أيضًا ضوء.



