-١-
طالما رَأَيتُ الأستاذ السَّيِّد خلف أحمد عاشور سِبيه في مكتبِ الأستاذِ الجليلِ محمَّد صلاح الدِّين الدَّندراويّ – رحمهما الله – قِيلَ لي: إنَّ الأستاذَ القديرَ مِنْ كِبارِ موظَّفي “مجموعةِ بن لادِن السُّعُوديَّةِ”، المؤسَّسة الاقتصاديَّة الكُبْرَى.. دَلَّتْني قَسَمَاتُ وجهِهِ علَى أنَّني في حضرةِ إنسانٍ جُبِلَ علَى التَّواضُعُ، حتَّى إذا تَكَرَّرَ لقائي بهِ، مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ، استبانَ لي ما اجتمَعَ فيهِ مِنْ كريمِ السَّجَايا والخِلَالِ.
أَفْضَلَ الأستاذُ الجليلُ فأهدَى إلَيَّ كِتابَهُ (أيَّام وأيَّام)٫ وهو مجموعٌ منتخَبٌ مِنْ فُصُولٍ أدبيَّةٍ كانَ يُذيعُها في هذهِ الصَّحيفةِ أوْ تلكَ، ويُنْبئُ عُنْوانُ الكِتابِ عنْ خُلُوصِ فُصُولِهِ للذَّكرياتِ. وفيهِ فُصُولٌ هي أدنَى إلى القلبِ، يرقَى تاريخُها إلى سنواتِ نشْأَتِهِ في يَنْبُعَ والمدينةِ النَّبويَّةِ المنوَّرةِ، وسنوات الطَّلَبِ في مدرسةِ تحضيرِ البعثاتِ في مكَّةَ المكرَّمةِ – شَرَّفَها اللهُ – حيثُ تَلْمَذَ لِلْجِلَّةِ مِنَ الأساتذةِ الرُّوَّادِ؛ السَّيِّد أحمد العربيّ، وعُمَر عبد الجبَّار، وعبد الله عبد الجبَّار – تَغَمَّدَهُمُ اللهُ بواسعِ رحمتِهِ -.
وفي كِتابِ (أيَّام وأيَّام) ما في كُتُبِ السِّيرةِ الذَّاتيَّةِ والذِّكرياتِ، متى ما أردْنا التَّهَدِّي إلى أشتاتٍ مجتمِعاتٍ مِنْ سِيرةِ إنسانٍ، وفيها ما يتشوَّقُ إليهِ الباحثُ والمؤرِّخُ متى رامَ بُلُوغَ طَرَفٍ مِنْ تاريخِ يَنْبُعَ خاصَّةً، في حقبةٍ ما أَشَدَّ حاجتَنا، اليومَ، إلى معرفةِ طَرَفٍ مِنْ تاريخِها.
في الكِتابِ كُلُّ ذلكَ وفوقَ ذلكَ، لكنَّ في الأغلبِ والأعظمِ مِنْ فُصُولِهِ شيئًا يَجُوزُ ما اعتِيدَ في الفُصُولِ التي أُريدَ بها الصِّحافةُ، تلكَ التي لا تخلُو مِنْ شيءٍ هو أَلْصَقُ بكاتِبِها = فيهِ ما يُدْنيها مِنَ الأدبِ الخالصِ، وإنْ شئتَ تحديدًا وتعيينًا، شَبَّهْتُها بالقِصصِ التي يُنشئُها الأديبُ الكبيرُ يحيى حقِّي – رحمه الله – تلكَ التي يستقيها مِمَّا عانَى وكابَدَ، ورأَى وسَمِعَ، ويُؤدِّيها فَنًّا، للقارئِ أن يَعْتَدَّهُ قِصَّةً قصيرةً، ولهُ، كذلكَ، أن يَدْعُوَهُ مَقالًا، وإنِ اختلَفَ عمَّا سِوَاهُ مِنَ المقالاتِ التي تمتلئُ بها أنهارُ الصُّحُفِ والمجلَّاتِ.
هكذا قَرَأْتُ أَغْلَبَ فُصُولِ الكِتابِ، وكُنْتُ أُحِسُّ أنَّني إنَّما أقرأُ لأديبٍ طُوِّعَتْ لهُ مَضَايِقُ الأدبِ، وإنْ جَهِلَهُ القُرَّاءُ والنُّقَّادُ، وكانَ حَقُّهُ أن يَعْرفوهُ، وأن يُسَمُّوهُ أديبًا، وأن يُصَنِّفوا ما يُنْشِئُهُ أدبًا كأعلَى ما يَكُونُ الأدبُ، وعندي أنَّ القارئَ سيُدْرِكُ ذلكَ مِنْ فواتِحِ فُصُولِهِ، ويَعْتدُّها مِنَ “الابتداءاتِ الْحَسَنَةِ” تلكَ التي تَدُلُّنا علَى مَرَتَبةِ الكاتبِ ودَرَجَتِهِ.
-٢-
وسأَجُوزُ بكَ كُلَّ فُصُولَ الكِتابِ، وحَقُّها أن يُتَوَقَّفَ عندَها = وأَقِفُ بكَ عندَ التفاتَتَيْنِ أَعُدُّهُما، وأظُنُّكَ ستَعُدُّهُما معي، مِنَ الأدبِ العالي الرَّفيعِ، وستُوافِقُني علَى ما قُلْتُهُ، قَبْلَ حِينٍ: إنَّ خلف عاشور سِبيه إنَّما يُنْشِئُ قَصَصًا، وإنْ حَسِبَ، ونحنُ مَعَهُ، أنَّهُ إنَّما يَكْتُبُ مَقَالًا، ثُمُّ يُذيعُهُ في هذهِ الصَّحيفةِ أوْ تلكَ.
هاكَ الفصلَ الذي عُنْوانُهُ “مِنَ المنجارةِ إلى القادِ”، وهُما مَحَلَّتَانِ قديمتانِ بيَنْبُعَ البحرِ، وفيهِ حديثٌ حُلْوٌ عنْ ماضٍ أدركَهُ الكاتبُ الأديبُ في صِبَاهُ عنِ البحرِ والميناءِ والبواخِرِ والتِّجارةِ، ولا شَكَّ أنَّ في الفصلِ ما ينفعُ المؤرِّخَ الاقتصاديَّ. لكنِّي سأَقِفُكَ علَى التفاتةٍ ذاتِ شأنٍ في ميزانِ الأدبِ:
بينما يُظْهِرُنا الكاتبُ علَى حركةِ البيعِ والشِّراءِ في تَيْنِكَ المَحَلَّتَيْنِ، فنُلِمُّ إلمامةً نافعةً بالميناءِ، حتَّى كأنَّنا نرى التُّجَّارَ، والمُوَظَّفِينَ، والعُمَّالَ، والفَعَلَةَ = إذا بعينِ الأديبِ تختارُ مِنْ كُلِّ أولئكَ مَشْهدًا يَضُوعُ إنسانيَّةً؛ فالبواخِرُ لا يَنْسَى رَبَابِنَتُها، وهُمْ يتهيَّأُونَ لمُغادرةِ ميناءِ يَنْبُعَ أن يُحَيُّوا البَلْدةَ بِـ “صَفَّارةٍ” تُطْلِقُها المَدْخَنَةُ ثلاثَ مَرَّاتٍ، فتَرُدُّ إدارةُ “الكِنداسةِ” التَّحيَّةَ بأفضلَ مِنْها، فتَبْعَثُ بثلاثِ تَحِيَّاتٍ مِنْ مَدْخَنَتِها، ما دامَتِ الكِنداسةُ تَعْمَلُ! فإذا أصابَها عُطْبٌ، وكانَ ذلكَ كثيرَ الوُقُوعِ، تُكافِئُ تَحَايَا البَوَاخِرِ بالصَّمتِ والسُّكُوتِ!
كانَ وَسَطَ هذهِ الْجَلَبَةِ قَهوةٌ يرتادُها التُّجَّارُ والعُمَّالُ، وكانَ صاحِبُ تلكَ القهوةِ – وسَمِّهِ “القهوجيَّ” إنْ شِئْتَ – قدِ اعتادَتْ أُذُناهُ تَحَيَّةَ البواخِرِ ورَدَّ الكِنداسةِ، وكانَ يؤلِمُهُ ويَحُزُّ في نَفْسِهِ أن تَعْجَزَ تلكَ الآلةُ العتيقةُ، حِينًا بعدَ حِينٍ، عنْ تَحِيَّةِ البواخِرِ المُغادرةِ؛ فقَصَدَ السُّوقَ وابتاعَ “بُوقًا”، وجَعَلَ يُقابِلُ التَّحيَّةَ بتحيَّةٍ مُماثلةٍ مِنْ “بُوقِهِ”، ولا يُهِمُّ، بعدَ ذلكَ، أنْ لا يَخترِقَ صَوتُهُ الفَضَاءَ، وحَسْبُهُ أنْ لا تتخلَّفَ بَلْدتُهُ عنْ عادَةٍ اُعْتِيدَتْ!
قالَ خلف عاشور: إنَّ صاحبَ البُوقِ والتَّحيَّةِ هو إنسانٌ مِنْ لَحْمٍ ودَمٍ هو مصطفَى عنيبسيّ – رحمه الله -!
-٣-
وقدْ طالَما قَرَأْتُ في مُذَكِّراتِ جمهرةٍ مِنْ رُوَّادِنا ضُرُوبًا مِنَ المُكابَدةِ وهُمْ ينتظرونَ “الرَّواتبِ”، أمَّا إذا تأخَّرَتْ، وطالما تأَخَّرَتْ، فصُوَرٌ مِنَ المُعاناةِ والآلامِ؛ أَلَمْ يَبِعْ حمد الجاسر – رحمه الله – كتابًا عزيزًا عليهِ لَمَّا تأَخَّرَ صَرْفُ الرَّواتبِ عنْ موعدِهِ؟!
نقرأُ عندَ خلف عاشور ألوانًا مِنْ عَيْشِ طبقةِ الموظَّفينَ – أوَّلَ عهدِ المملكةِ بالوظائفِ المدنيَّةِ – فالموظَّفونَ اعتادُوا أن يُرْجِئُوا ما يبتاعونَهُ مِنَ القَصَّابِ، وبائعِ الخَضْراواتِ، والبَقَّالِ، والسَّمَّاكِ = اعتادوا أن يُرجئُوا الوَفَاءَ بما عليهِمِ إلى مَيْسَرةٍ، وتلكَ المَيْسَرَةُ هي اليومُ الذي يُبَشَّرُونَ فيهِ بوُصُولِ “سَيَّارةِ الرَّواتبِ”! إنَّهُ يومٌ كُلُّهُ فَرَحٌ وسعادةٌ وحُبُورٌ!
لكنْ ما العَمَلُ إذا تأَخَّرَتْ “سيَّارةُ الرَّواتبِ”؟
لنْ أَشْغَلَكَ بما هو مُتَوَقَّعٌ حُدُوثُهُ، لكنَّنا نَقِفُ في مقالِ “سيَّارة الرَّواتبِ والسَّمَّاكِ وبائعِ الخُضَارِ والْبَقَّالِ” علَى التفاتةٍ بديعةٍ مِنِ التفاتاتِ خلف عاشور:
ها هو ذا “فَرَّاشُ الماليَّةِ” نلقاهُ ضَجِرًا سَئِمًا مِنْ طُولِ انتظارِهِ علَى “سَطْحِ” إدارةِ الماليَّةِ! ليسَ لذلكَ المسكينِ مِنْ عَمَلٍ إلَّا أن يَرْقَى إلى “السَّطْحِ، كُلَّ يومٍ، “يَتَرَصَّدُ طريقَ السَّاحلِ، دُونَ أن يَرَى أَثَرًا لغُبَارٍ يتصاعدُ في الطَّريقِ، أوْ شَبَحًا صغيرًا قدْ بَدَا مُحاذِيًا للسَّاحِلِ، يَدُلُّ أكثرَ ما يَدُلُّ علَى قُدُومِ هذهِ السَّيَّارةِ، فليسَ هُناكَ سيَّاراتٌ أُخْرَى تَسْلُكُ هذا الطَّريقَ بانتظامٍ غَيْرَ هذهِ السَّيَّارةِ فَقَطْ”!
ولا تَسَلْ عمَّا أصابَ الْفَرَّاشِ المسكينِ مِنْ قَلَقٍ وتَعَبٍ في صُعُودِهِ ونُزُولِهِ، ولا تَسألْ عنْ أولئكَ المُوَظَّفينَ المساكينِ، ومِنْ ورائِهِمُ القَصَّابُ والْبَقَّالُ والسَّمَّاكُ وبائعُ الْخضراواتِ! إنَّ سعادةَ كُلِّ هؤلاءِ مُلْقاةٌ علَى الكلمةِ الْحُلْوَةِ التي يترقَّبُونَها: أن يَنْحَدِرَ فَرَّاشُ الماليَّةِ مِنَ “السَّطْحِ”، صائحًا مُسْتبشِرًا: “سَيَّارة الرَّواتب بَيَّنَتْ”!






